العتبات النصية في رواية انعتاق الرغبة

 

الباحثة خولة الزلزولي

يبدو أنّ كل سعي للقراءة اعتمادا على مفهوم تعددية الأجناس مجبر بإعطاء المؤلف مكانته الخاصة، وحين اعتبار اسم المؤلفة: فاتحة مرشيد، يظهر أنه يدل في مقام أول مثل باقي الأسماء، على شخص له وجوده الاجتماعي في الزمان والمكان (مغربية ازدادت يوم 14 مارس1958 بن سليمان حازت على دكتوراه في طب الأطفال وعضو اتحاد كتاب المغرب…)؛ ويشير في مقام ثانٍ إلى رأسمال رمزي، أي إلى مجموعة من الإنتاجات الرمزية التي تنتمي إلى مضمار الأدب.

عنوان النص: انعتاق الرغبة

اهتداءً بالكتابات النظرية والدراسات النقدية التي صيغت في إطار ما يسمى: علم العنونة، وهي شديدة الوفرة والتباين، يمكن القول إن العنوان موقع نصي استراتيجي وجوهري، منه يُطل القارئ على النص الذي يليه، أي الرواية. “هو مجموعة من العلامات اللسانية التي تظهر على رأس نص ما، قصد تعيينه وتحديد مضمونه الشامل، وكذا جذب جمهوره المستهدف”.

وقد ميز المنظرون بين نمطين من العناوين:

  1. العنوان الذاتي: يخبر عن موضوع النص الروائي: الموت والتفاهة (شوقي عبد الحكيم)…، “وهو العنوان الذي يعين موضوع النص ويحدده مثل: الابحار في ذاكرة الوطن لحلمي الزواتي.”
  2. العنوان الموضوعي: “وهو العنوان الذي يعلن انتماء النص إلى أحد أصناف القص مثل: حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي”.

وبالنظر في عنوان فاتحة مرشيد انعتاق الرغبة

وفوق هذه البنية التركيبية؛ فإن علاقة هذا العنوان بالنص الذي يليه هي بالتحديد علاقة تَضَمُّن متبادل: إذ العنوان يتضمن عموم الرواية، طالما هو يشير إلى التحرر والانفلات والعبور من الجسد الذكوري نحو جسد أنثوي “كل خطوة سأخطوها في مسلسل العبور نحو أنوثتي هي انتصار لجوهر روحي… سأصاحبك معي في رحلة الانعتاق هاته..”

تستعيد الرواية لحسابها الخاص جملة من العناوين ابتداء من الصفحة77“أما الرغبة، فهي المحرك الذي يدفعنا إلى الأمام.. الرغبة هي الحياة.. وفي انعتاقها خلاصنا”“وكي لا أكون الشاهد الوحيد على هذه التحولات التي ستطرأ علي، سأصاحبك معي في رحلة الانعتاق هاته.. لتكون رفيقي في هذا السفر الفريد نحو مجهول بعيد، آملا أن يقربنا من بعضنا”

وعليه، فالانعتاق بدأ منذ فراق عز الدين مع زوجته مريم التي طلبت منه الطلاق وكتم السر والرحيل بعيدا”أنت مريض.. مريض.. وعليك أن تعالج نفسك بعيدا عنا..طلقني… طلقني… طلقني.. وحذاري أن تخبر أحدا بهلوساتك.. طلقني وارحل إلا حيث تعاشر الشواذ في مثل حالتك.. لا تشوه سمعتي ولا تشوه سمعة ولدي.. إرحل عنا بعيدا قبل أن يكبر ويعلم بحقيقتك.. ارحل.. ارحل..”ثم الانعتاق من المجتمع الذكوري الذي يعتبر التحول جريمة في حق الجنس البشري؛ لأن البلدان العربية تنبذ هؤلاء لا لشيء إلا لكونهم مختلفون ينعتهم بلدانهم بالشواذ، يقول فريد: “أماه، لست هنا لألومك، أعلم أنك تصرفت وفقا لما لقنوك وما توصلت إليه معرفتك، وأن نيتك كانت حمايتي من مجتمع لا يغفر لأحد اختلافه”وقول فادية: “اتعلم أنه في الدول العربية غير مسموح لا على المستوى القانوني ولا الديني إجراء عمليات تغيير الجنس؟”تقول زوجة فريد معتبرة التحول الذي قام به عز الدين وسمة عار على ابنائها وعلى المجتمع “انا أحبك.. لكن لا يمكنني أن أفعل هذا بأبنائي.. لن أتسبب لهم في احراج أو سخرية من المجتمع.. لا واحدة تقبل أن يكون جد أبنائها امراة”.لينعتق من الجسد الذكوري ويتحول إلى امرأة ”كلما اتضحت ملامح ذكورتي شعرت بالاشمئزاز منها وكرهت جسدي”ويضيف ”أنني من “الجنس الثالث”، تحديدا، امرأة في جسم رجل بمعنى أنني متحول جنسيا أو Transsexuel”يقول كذلك وهو بقمة جبل تبقال “أجل، أنا من الجنس الثالث، ومن اللحظة هاته سأكون أنا، في كل انسجام مع جسدي وروحي.. روحي روح أنثى وهذا هو الأصل، أما الجسد فقابل للتغيير والتجمسل.. قابل للبتر وللإضافة كما أنه وحده القابل للفناء”يقول فريد بعد قراءته للرسالة التي أرسلتها له فادية لتقديم واجب العزاء في عزيزة “أعدت قراءة الرسالة مرات. “عز الدين”أصبح “عزيزة”إذن.”

صفحة الغلاف:

الصورة بجسم امرأة ووجه رجل خرجت من الطبيعة وتحمل الكرة الارضية بيدها؛”هذا الجسد الذي وهبته الطبيعة كل تفاصيل الذكورة المكتملة وحرمته الاحساس بها”“والجزء السفلي منها مزهر ومخضر، بينما الجزء الاعظم لم يزهر بعد وهذا دليل على أن الاقليات الجنسية أو التحول الجنسي لم يحض بالعناية إلا في ذلك الجزء المزهر، وأن أغلب دول العالم تعتبره جريمة في حق النوع البشري (ذكر/ أنثى). تقول الرواية “البلدان لها أرواحها.. وروح بلجيكا نفرتني كما نفرتها. قضيت بها ما يناهز سنة ونصفا، تعرفت خلالها على رجال ونساء في مثل وضعيتي يعانون من التهميش والوصم والعنصرية، ليس من طرف البلجكيين فحسب، بل خاصة من العرب المهاجرين.”

في أعلى الصورة توجد سحابة سوداء تخترقها سحابة بيضاء؛ كنور يخرج المتحول الجنسي من العتمة والسواد.

الحكاية في الرواية :

تستعمل هذه القراءة مصطلح الحكاية هنا بمعنى المحكي، أي المضمون السردي أو الأحداث المتخيلة التي تنقلها الرواية. إنه مرادف مصطلح القصة كمقابل لمفهوم الخطاب، أو المتن الحكائي كمقابل للمبنى الحكائي عند الشكلانيين الروس.

ومدار هذه القصة أن رجلا عز الدين السامي ولد بعد ثلاث بنات بجسد ذكر وروح أنثى متزوج وأبا لابن يسمى فريد السامي، وبعد معاناة كثيرة من هذا الأمر قرر عز الدين البوح لزوجته بأنه من الجنس الثالث. “سأقول لها بأنه قد أصبح من الضروري التخلص من هذا الآخر المزيف، الظاهر للجميع حتى يتسنى لحقيقتي الداخلية أن تطفو على السطح، أن تصبح مرئية للعالم فأتحرر من قيد لم يعد يحتمل”لكن الزوجة مريم وبحكم ما تلقته من أفكار من المجتمع والثقافة العربية لم تتحمل فطلبت الطلاق، ليرحل عز الدين إلى بلجيكا وبعد ذلك إلى مونتريال (كندا) بحثا عن أنوثته الضائعة في جسده الذكوري “بدت لي كندا كعالم بعيد جدا، وفي هلندا سيطرح مشكل اللغة، لم تبقى إذن سوى بلجيكا. هكذا رحلت إلى بلجيكا، تاركا قلبي معك، لأبدأ حياة أخرى وأعانق ظلي. فإن كانت الشمس واحدة فلكل منا ظله الخاص.”

يسرد لنا عز الدين تفاصيل انعتاقه من جسده الذي ليس له ولا يعكس هويته الجنسية التي يحسها في أعماقه ومسلسل عبوره نحو عزيزة فرس ”سأصاحبك معي في رحلة الانعتاق هاته… اليوم كذلك قررت تغيير اسمي الشخصي. لا أعلم لماذا بدا لي اسم “عزيزة”بديهيا. ربما لأنه يحتفظ على الشطر الأول من اسمي “عز، أو لربما لأن هناك موسيقى تسمى “عزيزة”للموسيقار محمد عبد الوهاب أعشقها وأحس كأنها لحنت من أجلي..”؛ من خلال التحول الجنسي بعدما عملت بفتوى أحد علماء الدين بمونتريال، ”عزيزة أخذت بفتوى أحد علماء الدين هنا بمونتريال، هو على علم بمشكل الأقليات الجنسية. وقد أكد لها اختلاف العلماء حول الحكم الشرعي في الموضوع”.

عزيزة ولدت باعضاء جنسية ذكورية وعقل وروح أنثوية مما جل منها امراة متحولة جنسيا، أما ميولها العاطفي إلى النساء جعلها تكون مثلية HomosexuelK أي الميول إلى من هم من نفس جنسها.

وتتخلل هذه الحكاية قصصا أخرى كقصة فريد مع زوجته وطريقة معرفته عن تحول والده عز الدين؛ من خلال رسالة فادية –صديقة عزيزة فرس- التي أرسلتها له من مونتريال مع دفتر كتبه له عز الدين قبل التحول وعن أسباب هجرته. وأمام تعطش فريد لمعرفة المزيد من الحقائق عن والده الذي وافته المنية، سيسافر هذا الأخير إلى مونتريال للقاء فادية التي ستضع رهن إشارته دفتر آخر وألبوم صور وتفاصيل أخرى لتوضح له كل ما هو ملتبس عن حياة والده. بعد أيام عاد فريد إلى المغرب للتفرغ من جديد إلى أعماله وحياته بعد أن علم بالحقيقة، لكن سرعان ما عادت زوجته لاصطناع المشاكل، وبعد إخبارها عن حياة والده طلبت الطلاق الذي كان ينتظره بفارغ الصبر. “كان وقع كلمة “طلقني يا فريد”كوقع مطرقة كسرت باب القفص الذي كنت مسجونا بداخله.. وكطائر اكتشف ملكة التحليق من جديد. قلت دون تفكير أو تردد: أنتِ طالق. ورددتها ثلاثا”. تم إجراء الطلاق وبيع الأسهم في المصحة، قرر الالتحاق بالعمل في مصحة الدكتور برنار قسم جراحة التحويل الجنسي بكندا والسفر إلى هذه الأخيرة؛ وطوال الرحلة الجوية يفكر فريد في فادية والطريقة المواءمة ليقول لها إنه يحبها تهتز الطائرة اهتزازا قويا ثم يستقبل المجهول.

بالإضافة إلى حكاية فادية الفتاة الليبية التي تم اغتصابها من طرف الرئيس السابق معمر القدافي بشكل وحشي، بعدما كلفت بتقديم كلمة ترحيبية للرئيس عند حضوره للجامعة بطرابلس، وأخذها كي تنضم لجناح الحريم بقصره، لتهرب من القصر بمساعدة شباب الثورة الى تونس ثم عودتها إلى ليبيا بعد انتصار الثوار وسيطرتهم على المدن الليبية ومقتل الرئيس.

وبعد معرفة الشعب بفضائح القائد الجنسية أزمت وضع فتيات القصر عوض أن تنصفهن، اتصلت فادية بجمعيات لمساعدة النساء المضطهدات في العديد من الدول الغربية، وكانت أسرع رسالة توصلت بها –فادية- من عزيزة فرس وبعدها ذهبت إلى كندا بموافقة والدتها وأخواتها.

تمتد هذه القصة عبر أربع حلقات حكائية التي تقع في 223 صفحة من القطع المتوسط: الأولى تمتد من الصفحة 7 إلى 62؛ الثانية تستغرق الصفحات 63-144؛ الثالثة تشغل الفضاء الطباعي الممتد من الصفحة 145إلى الصفحة184 ؛ الرابعة من الصفحة185 إلى الصفحة 223؛ وكل حلقة في هذه الأربعة تتكون من رزمة من المقاطع السردية.

وضعت فاتحة مرشيد القارئ أمام تساؤلات حول مفهوم الذكورة والأنوثة، الجنس والجندر، “كنت أجد من الطبيعي أن الانسان عندما يولد يصنفه المجتمع انطلاقا من شكل أعضائه الجنسية بنتا أو ولدا محددا بذلك هويته الجنسية أو الجندر. لكن يبدو أن الأمر أعقد من هذا بكثير، وأن هناك فرقا بين الجنس والجندر: الجنس معطى بيولوجي أما الجندر أو (النوع الاجتماعي) فهو يحدد الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة، وبهذا فهو معطى ثقافي وليس نتيجة حتمية لبيولوجية معينة… شكل الأعضاء الجنسية يجعل المجتمع يصفه ذكرا أو أنثى، ومن تم يحدد هويته الجندرية… لكن ما يدركه عقله أو روحه أو نفسه بمعنى (إحساسه الداخلي) قد يكون مطابقا لشكل أعضائه الجنسية كما يمكن أن يكون مناقضا لها وهذا ما نسميه “متحولا جنسيا أو عابرا جنسيا”. وتقربه من واقع الأقليات سواء في العالم العربي أم الغربي.”عرفت من خلال الملف حول المتحولين جنسيا بالمجلة بأن الدول التي تكن اعتبارا للمتحولين هي بلجيكا، وهولاندا، وكندا.”

عادة ما تدرج المواضيع المتعلقة بالجنس: كالمثلية الجنسية والأمراض الجنسية والتحول الجنسي في خانة الطابوهات، إن لم تكن ممنوعة تماما، ويعد التحول الجنسي من أكثر هذه المواضيع المسكوت عنها في العالم العربي. لكن وبحكم تخصص وتكوين الدكتورة فاتحة مرشيد جعلها تقتحم عالم الجنس الثالث.

 

مجلة الثقافة الجزائرية ليوم الأحد 24 مارس 2019.