بطالة مقنعة بمخالب جارحة

قراءة في رواية “مخالب المتعة”

 

زهيرة محسن

 

تتناول الكاتبة د. فاتحة مرشيد من خلال رواية مخالب المتعة أحد الطابوهات التي قليلا ما تناقش داخل مجتمعنا، وحتى إن نوقشت، فإنها تناقش باحتشام شديد كسائر المواضيع التي تتعلق بالجسد والجنس. لذا سأحاول في قراءتي المتواضعة هاته، الوقوف عند أقوى لحظات الرواية حتى تكون منطلقا للنقاش.

تستهل الكاتبة روايتها بالتطرق إلى مشكلة تنخر المجتمع المغربي، بل كل المجتمعات المتخلفة ألا وهي مشكلة العطالة أساسا في أوساط الشباب، لتمر بذلك إلى قضايا متعددة ومتنوعة في قالب روائي جميل، ومن خلال طرح أحد الطابوهات المسكوت عنها في مجتمعاتنا وهي دعارة الرجال.

سارد الرواية هو أمين شاب مجاز بدون شغل ” معطل عن العمل وحتى عن الحب وعاطل عن الحياة ” ص7

يتقاسم بطولة الرواية مع أمين صديقه عزيز، وقد لا أبالغ إن قلت أن عزيز هو بطل الرواية الحقيقي وموجه أحداثها.

تلازم أمين وعزيز طيلة الرواية، شخصيتان من النساء حاضرتان بقوة هما: ليلى وبسمة،

إضافة إلى شخصيات أخرى لها أهميتها في أحداث الرواية. ملاحظة أساسية لابد من الإشارة إليها هي أن جل الأسماء التي منحت لشخصيات الرواية لها دلالتها.

كما سبق وأشرت في البداية، تستهل الكاتبة روايتها بالتطرق إلى العطالة انطلاقا من السارد وهو أمين، والذي يقضي وقته في المقهى يبحث عن العمل من خلال الجرائد (وهو المشهد الذي ألفناه يوميا داخل المقاهي المغربية) وسرعان ما تنتقل الكاتبة إلى نموذج أخر من العطالة المقنعة ” «Le chômage déguisé والنموذج هو عزيز صديق أمين، عزيز هذا اختار أن يمتهن منح المتعة للنساء.

من هو عزيز؟

عزيز هو صديق لأمين منذ أيام الدراسة وكان محبوبا من طرف الفتيات، وسيم، جريء ويتقن فن التواصل. انفصل والداه وهو طفل مما سيفقده حنان الأبوين في سن مبكرة مما سيجعله كمن يبحث عن الحب بكل الطرق ” كانت حاجته ماسة لحب الجميع وكأنه يعوض بذلك عن فقدانه للحب” وهذا سيجعل عزيز ممتنا للمتعة، وهو يميز جيدا بين الحب والعمل، ويعي جيدا ما يفعله كما أنه مقتنع به. يتضح لنا هذا ونحن تقرأ الحوار الذي يدور بين عزيز وأمين وهما يتطرقان إلى عمل عزيز الذي يحاول تبرير عمله (الحوار في الصفحة 16 و17)، هذا الحوار يوضح مدى الصراع الذي يعيشه الرجل وهو يمارس مهنة ليست مهنته ولكن أقنع نفسه أنها مهنة تلائمه:.”…..لا يجب أن أحبها…، لا ينبغي المزج بين الحب والعمل، …، أنا بائع متعة، يقول عزيز، أبيع جسدي يقول أمين، ويجيبه عزيز: جسدك لاصق فيك يا أخي …”

نحن إذن أمام شابين مثقفين جامعيين حاملين لشهادات جامعية يمتهنان المتعة كعمل سهل ومربح، يقدمانها بأشكال مختلفة. والكاتبة تطرح المتعة كسلعة بكل جرأة في قالب متميز، يقدمها في هذه الرواية، شابان مثقفان، وليس كما عهدنا عند النساء فمقدمات المتعة يشترط فيهن شرط واحد هو إشباع الرغبة الجنسية فقط.

ممارسة هاته المهنة تتم في سرية تامة والراغبات في المتعة هن اللواتي يهيئن الفضاء، فهن المستقبلات ” لسن أما م دور دعارة رجالية ولكن أماكن استقبال نسائية سواء فيلا بوزنيقة، مكان ليلى، أو بيوت فنادق تستأجرها بسمة”.

المتعة في الرواية التي بين أيدينا نوعان:

الأولى: بطلها كل من عزيز وليلى وفيها خيانة

الثانية: بطلها كل من أمين وبسمة.

فعزيز وليلى تتميز علاقتهما بدعارة مطلقة، لكنهما يصبحان عشيقين بل حبيبين، ولأن ليلى كرهت الرجال الأكبر منها سنا نظرا “لاغتصابها من طرف زوج أمها”، وكرهت الحب “فقد استبدلت اغتصابا بآخر وخيانة بخيانات ” وكرهت الأبناء والأسرة، فإنها تختار عشاقها من الشباب، لكن عزيز يبقى هو المفضل لديها، بل أصبحت تحبه ذاك الحب الذي ترفضه. أما عزيز فيظل الرجل الغيور الذي يحب تملك امرأته، فهو يلعب دور زوجها ويغار من عشاقها حتى درجة القتل.

هذا الشاب الذي لم يكن يقوى على القتل أصبح مجرما تحت وطأة ظرف قاهر وهو يستحق حسب الكاتبة على لسان أمين ظروف التخفيف: ” لا أنكر أني تمنيت قتلها… جئت لإقناعها بالرجوع…..”، ” …. يجب ان لا تستسلم، ارتكبت جريمة ولكن تحت وطأة ظرف نفسي قاهر، ولا يجب أن تكون العقوبة أكبر مما تستحق…المحامي سيقوم باللازم ” كانت هاته الحالة الأولى من المتعة ذات مخالب تفضي بأصحابها إلى التهلكة .

الحالة الثانية من المتعة: بسمة وأمين.

أمين هو ذاك المعطل الذي سيقحمه عزيز في عالم المتعة ليلتقي ببسمة، وهي المرأة الجميلة الحزينة، إنها الأم الثكلى التي فقدت ابنها في ربيعه الخامس عشر بسبب هدية قدمها له والده “زلاجة مائية ” رغم اعتراضها الشديد عليه، مما جعلها تحقد على زوجها، ولا تسامحه رغم طيبوبته وحبه لها، فهي تعيش من أجل ابنتيها.

بسمة لا تبحث عن متعة الجنس ولا تمارس الجنس سوى مع زوجها ص 67 :” لابد أن أشرح لك وجهة نظري أنا أفضل غرفة الفندق لأسباب أمنية إن صح التعبير …لا أبحث عن الجنس ولا أمارسه مع أحد غير زوجي ، لكني أحتاج إلى صديق، إلى أذن صاغية، إلى كتف حنون، إلى عاطفة سامية كي لا أموت حزنا”

أمام هاته المرأة التي تبحث عن أمين لأسرارها وحبها، يظل أمين معطلا، يكتم مشاعره المشتعلة تاركا حبيبته بسمة تداعبه وتستحمه، وهلم جرا، ليظل حبه حبا مع إيقاف التنفيذ.

عكس العلاقة الأولى لا وجود للعلاقة المادية بين بسمة وأمين أو بالأحرى لا حديث عنها، إلا أن أمين لم يعد يتكلم عن العوز.

هاته الحالة ستنتهي كالأولى بحصول حب ثم فراق ، لكنه حب جميل يتوج بتوصية شغل للأمين من طرف بسمة بأحد المعاهد، وبعودة الحياة إلى جسد بسمة التي ستهاجر مع عائلتها إلى كندا بعد مقتل صديقتها هروبا من كلام الناس وحفاظا على حب جميل مع أمين  صفحة 154 :”معك عرفت معنى هذا السيل الهادر في جسدي الذي يدعى الحياة، حبك أعادني إلي وأنا شديدة التمسك بك”

قبل أن أختم قراءتي المتواضعة هاته، لا بد من أن أشير إلى بعض الشخوص الذي أعطت للرواية نكهة خاصة، وجب التوقف عندهم:

ميمي صاحبة الحانة التي أحبت عزيز دون أن يحبها

العاهرة أول من أراد أمين أن يمارس الجنس معها فأصبح كارها له

الرسام الذي أحب فنه وأهداه لحبيبته الفنانة بلقيس وظل يرسمها وحدها فقط

أحلام حبيبة أمين الأولى وربما الوحيدة

مصطفى صاحب التاكسي صديق أمين وهو خريج شعبة الفلسفة والذي اختار الاشتغال في أي شيء

السيدة البدوية قريبة أحمد وهي المتحكمة قي مصير كل من هم حولها، في زوجها وزوجته وأبنائه وحتى في رجال القبيلة.

 

خلاصة القول تطرح الدكتورة فاتحة مرشيد قضايا عديدة ومتعددة بجرأة عالية :

العطالة

أزمة النظام التعليمي

الدعارة الذكورية

الدعارة النسائية

الاغتصاب

الحب بمقابل وبدون مقابل

الإخلاص

زنا المحارم

مؤسسة الزواج بقوتها وبهشاشتها

الغيرة

الجريمة

العادات الجنسية المسكوت عنها، الإسنتماء، الشهوة الجنسية لدى المرأة.

أكيد ان هذا ينبع من كتابة نسائية واعية بواقع مجتمعي تسود فيه الذكورية وتطغى فيه الطابوهات التي حاولت أن تكسرها الكاتبة فاتحة مرشد متحدية كل الرقابات. إنها فعلا إضافة نوعية في الكتابة النسائية.

“بطالة مقنعة بمخالب جارحة، قراءة في رواية مخالب المتعة”، زهيرة محسن، كتاب “أوراق الربوة”، قراءات في الأدب النسائي المغربي، منشورات الربوة، الرباط 2017.