جمالية الانحدار وبلاغته

قراءة في رواية “نقطة الانحدار” للكاتبة فاتحة مرشيد

 

د. عزيز الهلالي

 

صدرت حديثا للروائية فاتحة مرشيد رواية جديدة تحت عنوان “نقطة الانحدار”عن دار النشر المركز الثقافي للكتاب (2022) عدد الصفحات 192 صفحة. في هذا العمل سنثير مجموعة من القضايا تعكس مدارج تطور في سلم الوعي الإبداعي للكاتبة.

 

الهوامش اللامرئية

 

منذ روايتها “انعتاق الرغبة”، بادرت مرشيد إلى تدشين منعطف جديد في مجال اهتماماتها الإبداعية، حيث التقطت، بعين إنسانية وبمشاعر نسوية، ظواهر اجتماعية مسكوت عنها. وتعتبر هذه الظواهر خطوطا حمراء أمام سلطة المجتمع، التي لا تسمح بالاقتراب من موضوعات محروسة دينيا وثقافيا، لكن إرادة مرشيد تعمَّدت فضح مفارقات اجتماعية من خلال إبداعها الروائي، للتنديد بثقافة حاملة لخطابات متعصبة رافضة وإقصائية، تأبى الحديث عن الاختلاف بكل مظاهره.

في روايتها “نقطة الانحدار” تصاحب مرشيد، في رحلتها الإبداعية، متلقيين مفترضين يسيران معا نحو استكشاف عوالم مجهولة، مرئية على مستوى العين المجردة، وغير مرئية على مستوى المشاعر الأخلاقية. ثمة جماعات متشردة (Homeless) في تشكلها وفي مواجعها، تعيش بلا مأوى في قلب شوارع راقية بالولايات المتحدة الأمريكية، إنهم جراد متنقل بدون حماية أمنية أو حقوقية أو اجتماعية، لكن الكاتبة تُبدي اندهاشا كبيرا من قيم هذه الجماعات المهجورة، ومن سلوكها الإنساني، ومن رصانة تفكيرها، ومن حكمتها في النظر إلى الأشياء.

في هذين العملين “انعتاق الرغبة” و “نقطة الانحدار” تفضح الروائية مرشيد عوائق ثقافية، ظلت ولاتزال، تسود كسلطة معيارية اجتماعية تقوم على ثنائية القبول والرفض، قبول نسخ فردية أو جماعية منضبطة لإرادة مجتمعية عامة، ورفض كائنات مجهولة متمردة على سلطة المعيار الثقافي السائد. تطرح الكاتبة وجهة نظرها، من منطلق خلفية متشبعة بحمولة فكرية نسوية، تسعى إلى استنبات قيم جديدة مناهضة للاستبداد المعياري والإقصائي. تلتقي إرادتها مع إرادات حركات نسوية عالمية تناضل فكريا وسياسيا وميدانيا، من أجل الدفاع عن حقوق وكرامة هامش اجتماعي مغترب

نقطة الانحدار

 

تحمل الرواية عنوان ” نقطة الانحدار”. والانحدار لغة يعني السقوط والتدحرج من الأعلى. أما مقياس الانحدار، فإنه أداة يستعملها المسَّاح لقياس فرق المستوى بين نقطتين أو زوايا والارتفاع. جغرافيا فإن نقطة الانحدار، تعني أقصى نقطة في غرب استراليا. وعلى مستوى الرياضيات الإحصائية، فالانحدار الخطي هو عملية تعطي مقياسًا رقميًا لقوة العلاقة بين المتغيرات.

لكن مضمون الانحدار يتخذ في الرواية بعدا آخر، لا ينتمي لجهة الرياضيات ولا لجهة اللغة المتداولة، بل يرسم مسارا جديدا، من خلال الاغتناء الدلالي بتجربة الذات، تجربة صوفية تنشد الوصل الروحي تأملا وحكمة. لم يعد للانحدار وقع سيكولوجي على مستوى تجارب حياتية فاشلة، بل اتخذ مظهرا تصحيحيا ينشد التعالي وتطور الوعي في مدارج الارتقاء الفكري. فالانحدار حركة عكسية نحو الأعلى، تجربة مفتوحة لمساءلة السجن الاجتماعي الذي يرقد في داخلنا. يقول الراوي عن التجربة العالقة في وحل القيود الموروثة اجتماعيا: “غادرت سجن ألكتراز وأنا أقر مع نفسي أن السجن ليس فقط ذاك الذي يحبسك بين جدران من الإسمنت. فمنا من هو حبيس جسده، ومنا من هو حبيس فكرة أو شعور أو معتقد يمنعه من رؤية الأفق..كل ما يحجب عنا الأفق سجن وتبقى الجدران الوهمية أكثر سماكة وقهرا “.ص، 45. إن تجربة الانحدار ليست تجربة معطاة، بل تجربة تحمل قدرا كبيرا من المعاناة والألم، إذ لا يمكن بلوغ الانحدار إلا من خلال تجربة التيه في الداخل وفي المساحات الممتدة، في الأنا وفي الوجود. والتطلع إلى فك الارتباط مع إكراهات العالم الخارجي، عالم الوهم والأصنام والكذب. “الأشياء المهمة تستكشف عن طريق التجربة الداخلية لا الخارجية عن الذات”. ص،160. تمر تجربة التيه بسلسلة متتالية من المراحل: تبدأ بصراع داخلي حاد، ثم تنتقل إلى اللامعنى، وتنتهي أخيرا بإضرام النار في نسخة ذاتية مشوهة ثقافيا وأخلاقيا ودينيا. وفي لحظة ما، يتجلى الكون في أبهى صوره إلهاما وعشقا روحيا، تبدأ تجربة الانحدار في التململ تعيد تشكيل الذات، بما يتناسب مع نظام الكون. يتلخص دليل الانحدار في الوصايا التالية:

“الانحدار تجربة فردية لا يصاحبك فيها مخلوق بشري”. ص،70.

“لكل منا نقطة الانحدار”. ص،115.

” بقدر ما تضع الحياة في طريقنا نقط انحدار، تهدينا كذلك نقط صعود”. ص، 171.

 

بلاغة الانحدار

 

تُشيّدُ رواية “نقطة الانحدار” إلى جانب “انعتاق الرغبة”عالمين: عالم يمتلك خطابا في حب التحكم والتملك للقيم الأخلاقية والثقافية، وعالم مُستعبَد ومُستبعَد من مقاصده ورغباته وأحلامه وقيمه. يتسلل الراوي، بدافع استكشافي، للإنصات إلى عوالم فئات منبوذة تاريخيا، لكن مصاحبة الراوي لهذه الفئات المهزومة، لم تكن سوى الكاتبة مرشيد التي تختزن في مجالها الخاص رؤية نسوية كونية معاصرة تؤمن بقيم التضامن والعدالة والإنصاف والحقوق الكونية والديمقراطية…ترافقهم خلال رحلة التشرد/ التيه، وتحاول الإصغاء إلى خطاب مخصي سلطويا.

نسجل في بداية الحوار، الذي دار بين الراوي وجوردن، حصول اصطدام على مستوى التواصل اللغوي، بسبب الاختلاف الثقافي. ينتمي الراوي ثقافيا إلى طبقة الاحتقار، أما جوردن فإنه ينتمي إلى طبقة الانحدار. وقد ظهر الاختلاف بينهما في مقدمة الحوار. كان من المفترض أن يكون الحوار بينهما حميميا، خصوصا وأن الراوي أظهر رغبة ملحة لمعرفة أخبار صديقه الغالي، فطلب من جوردن أن يحكي له قصته، لكن صاعقة الرد نزلت قوية على الراوي ولم تمهله لحظة لحماية أنانيته، كان الرد بمثابة مطرقة هوت على رأس الراوي: ” لا تنتظر مني أن أحكي لك قصته، إنها تخصه لوحده…أنا لا أتحدث إلا عما هو عام وعما خاص بي فقط”. ص، 53. ليس من السهل أن يستوعب الراوي علاقة الفصل بين الخاص والعام، فالخاص فضاء يتطلب جناحين ليسبح بصاحبه فوق مساحة العزلة والتفرد الذاتي، أما العام فهو انصهار مشوه في النسق المجتمعي مع تعطيل ملكة التأمل والحكمة.

عندما أعرض جوردن عن الحديث في قضايا تهم شأن الغالي، توجه إلى الراوي وحكى له حكايته الخاصة. لم يجد الراوي في ما سمعه على لسان جوردان ما يستهويه، سوى مفارقات انفرط عقد منطقها. لكن كلما توغل جوردن في الحديث بعيدا، كلما تقلب الراوي في سياقات مشاعرية قلقة: بدأت بالرفض والغرابة، ثم الدهشة، وانتهت بالإعجاب. كان الراوي بمثابة تلميذ في حضرة الأستاذ يصغي باهتمام بالغ لحكاية انحدار رجل، والتي تختلف عن حكاية رجل مات. الموت لا موعد له، لكنه يتسلل ويستقر في الجسد والروح، “عندما تكون حياتك وكل ما تقوم به متجها نحو الخارج..عندما تكون دائما تركض خارج ذاتك فلا شيء يكفي ..لا البيت ولا السيارة ولا الرصيد الضخم في البنك ولا العلاقات العاطفية أو الجنسية المتعددة..تريد دائما أكثر ولا شيء يكفيك…أتعلم لماذا؟”. ص، 56. كان الراوي يتطلع بشوق إلى الإجابة، لأن هذا النمط من التفكير هز أركان مشاعره التي بنيت خطأ خارج ذاته، لا لشيء سوى “لأن الفراغ قابع في داخلك”.ص،56. لا يتجاور الإبداع الذاتي مع الميولات. ولا يمكن أن تصبح مبدعا، إلا “عندما تتقلص إمكانياتك المادية”.ص،60.

كان الحوار بين الراوي وجوردن، يجري بإيقاعين مختلفين: إيقاع ما قبل الانحدار وإيقاع ما بعد الانحدار: الإيقاع الأول رتيب وثقيل وخائف، لأنه ممتلئ بسلطة المجتمع، “فالمجتمع يلقنك بأن كل حب هو مشروط”. ص، 61. أما الإيقاع الثاني، فإنه حاسم هادئ متسامح رزين ممتلئ بالسكينة والسلام، “وحده الحب يلطف الحياة”. ص، 61.

إن الحوار الذي جرى بين الراوي وجوردن، استعاده الراوي، مرة أخرى، أثناء لقائه بصديقه الغالي المتشرد، حيث اكتشف لدى صديقه انحدارا في منتهى الجمالية، وقد أشاد بهذه الجمالية بالقول: “وكأنني لأول مرة أتحدث مع الغالي..إنه شخص آخر جعلته سنوات الغربة والسنوات الثلاث التي قضاها في الشارع أعمق مما عرفته عليه..كان يعيش الانفعالات فكريا لا حسيا، يفهمها ولا يشعر بها..أما الآن فقد بدا وكأن إنسانيته استعادت مكانتها في الكون وإحساسها به”. ص،139.

ويمكن القول إن سلطة الانحدار جارفة، جذابة، نافذة، ملهمة ونورانية..إلى درجة أن الراوي كان يتمنى “أن يستيقظ [جوردان] لأسمع منه أفكاره الفريدة من نوعها وتحليله الذي لا يخلو من حكمة لأمور الحياة”. ص،71. لم يقف الأمر عند حدود الإعجاب، بل امتد إلى حب غير مشروط، حب خالص بدون إلزامات أخلاقية يتماهى مع “شعور بأنني صرت أحب هذا الرجل، الذي يبدو أنه شغل نفسه بتساؤلات روحانية وأخلاقية حقيقية، وأحب جنونه الذي يخفي في أعماقه إنسانية طاهرة تصرخ بأقصى أزماتها الوجودية..”.ص،73.

 

انحدار الكاتبة

 

لم يكن الراوي سوى صوت الكاتبة مرشيد، وهي تتحدث عن انحدارها، لكن السؤال هو: هل انحدار مرشيد انطلق من نقطة محددة؟ أم أن انحدارها حصل خارج الفواصل والأزمنة؟

أعتقد أن بداية انحدار مرشيد حدثت عندما عانقت عوالم الرواية والشعر، واختزلت العلوم في مجرد مهنة تقنية (الطب). عندما وضعت ذاتها في عالم يشبهها أضافت جمالية على الانحدار، هناك “أناس مثل تلك الكلمات، عندما توضع في مكانها الصحيح تضيف الكثير لمجمل حياتنا”. ص،8. انجذبت الكاتبة إلى علوم تتحدث لغة غاليليو تنظر إلى الطبيعة باعتبارها معادلات حسابية، وبالرغم من اقترابها من الإنسان من خلال الطب، إلا أن عشق اللغة بنظمها الشاعري رمى بها في “معادلات الحب.. لا ينفع معها لا تحليل ولا حجج ولا براهين”. ص،8. ومع ذلك فهي لا تتنكر للعلوم، لأنها كانت جسرا نحو الانحدار.”كنت مدينا للرياضيات التي استنبطت فيها منطقا آخر..منطق العواطف”.ص، 65.

في رواية “نقطة الانحدار” تتحدث الكاتبة بلغة زاهدة في التصوف يسكنها الحب والخلاص. وهنا بالضبط حدث تصدع في نقطة الانحدار، حيث صعدت في سلم المقامات للحلول في النور الإلهي، إنه سعي للامتلاء الروحي يتجسد تأمليا في وحدة النسبي والمطلق: “أدرك القليل من العالم النسبي..أما العالم المطلق فهو يتطلب حيوات منذورة للتأمل”. ص،62. إن تجربة الروح المتسامية قطعت مع البداية والنهاية ومع الفواصل والأزمنة، وحدث تشظي في سيرورة الإبداع، فالوجع الروحي بات ينشد الخلاص والصعود خارج قيود عقدية ومذاهب متناحرة ومرجعيات دينية تكفيرية، فالدين ليس سوى “رذاذ من الماء المتدفق من أعلى، كأنه قادم من فم السماء، يلفك في دوامة من الرهبة والانبهار..هناك لمست معنى الجلال وهناك عرفت الله”. ص، 63. ومن هناك نستقبل نزول كلمات “علينا كإشراقة..كحقيقة إلهية بزغت لنا فجأة”. ص، 86.

أثث القاموس الصوفي، بمفاهيمه النورانية، البساط السردي لرواية “نقطة الانحدار”، بحيث لم تعد العلاقة بين النسبي والمطلق محصورة عموديا، بل امتدت أفقيا عبر مساحات، كما امتدت مساحات التشرد والتيه، لتشمل نظام الكون وانسجامه. لم يعد للصدفة من مكان. “أنا لا أؤمن بالصدف ولا أعتقد أن وجود الرسالة بالسترة التي أعطاني إياها صدفة..”.ص،86. كل شيء أصبح متجليا في الكون عبر قانون الانسجام، حتى العلاقات التي تحدث بدون سابق ترتيب منطقي وعقلي، باتت تخضع لقانون روحي لا يدركه العقل أو المعادلات الرياضية، وحدها المشاعر الروحية التي يلهمها النور الإلهي بإشارات خاصة، “كأننا كنا فعلا أصدقاء في حياة أخرى”. ص، 73.

ذلك هو انحدار الكاتبة مرشيد، انحدار في اتجاه لغة إبداعية وصعود نحو وحدة إلهية، إذ “بقدر ما تضع الحياة في طريقنا نقط انحدار، تهدينا كذلك نقط صعود”. ص، 171.

الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي،

الجمعة 8 أبريل 2022, العدد 13.116.