“جُرحٌ إنساني بين الانحدار والصعود”

قراءة في رواية “نقطة الانحدار” للكاتبة فاتحة مرشيد

 

عبد المطلب عبد الهادي

 

” الكتابةُ انْفتاحُ جُرْحٍ ما ” (فرانز كافكا)

مفتتح ..
“كيف يُعقل أن يكون البلد الذي ينتج أكبر عدد من العلماء والباحثين والحاصلين على جوائز نوبل والمستقطب لأذكياء العالم، هو نفسه الذي ينتج أكبر عدد من المشردين” (نقطة الانحدار ـ ص 51)

جُرحٌ غائرٌ فينا انفتح، نداريه، نستر عيوبه وأخطاره بمساحيق مختلفة الألوان والأشكال والأسماء، جُرحٌ انفتح على مرأى ومسمع من عالمٍ يغضّ الطرف عنه، يتناساه، يحجِبُه بغربال اللامبالاة وعدم الانتباه والاكثرات، جُرحٌ يتقاسمه العالم، مُتقدِّماً كان، أو في مرتبةٍ ثالثة أو أقل، إلا أن الرواية “نقطة الانحدار”(1)، فتحت الجُرح وتلمَّست أسبابه ودوافعه في بلاد الأحلام الوردية والمال والقوة، وأعملتْ فيه مؤلّفتها، الشاعرة والكاتبة فاتحة مرشيد، مِبضع جرّاحٍ عليم بدواخل النفس البشرية وأسرارها وتقلباتها بين الضعف والقوة والكرامة والهوان وهي تعري حقيقتها، ” أمريكا لا تقبل المهزومين.. وحدهم الفائزون لهم مكان في هذه القارة. والقروض لا ترحم إنها تلقيك بضربة على مؤخّرتك خارج بيتك أو ما كان بيتك..” (ص 33).

“نقطة الانحدار”، عنوانٌ لرواية أنيقة توصّلتُ بها شاكرا هذه الالتفاتة الطيبة من الأديبة والشاعرة والطبيبة الأستاذة فاتحة مرشيد بتوقيع لطيف..

أول ما لفت انتباهي الوسمُ الذي جاء بخطٍّ عريض، والمركب من كلمتين تُكَمّل إحداهما الأخرى في تناغم واضح وجلي، عنوانٌ يرشد إلى متن النص الذي بين أيدينا، هذا المركب الذي يكشف مقاصد النص ويؤطّر أفق انتظار القارئ، لأنه البداية والمنطلق إلى سبر أغوار الحكي الذي يبني الرواية. وحسب جيرار جنيت، فإن العنوان “مجموعة من العلامات  اللسانية.. التي يمكن أن توضع على رأس النص لتُحدده، وتدل على محتواه لإغراء الجمهور المقصود بقراءته” وهو في نفس الآن، يثير تساؤلات ووقفات وانتظارات تتضح بنهاية الرواية/القراءة. وإذا كان العنوان بوابة النص و”الكلمات الأولى للنص” كما يقول ألان روب جرييه، فإنه يُعطي مفاتيح وأدوات دخول النص وحل شفراته لأنه يجمعُ ـ كما يقول السيوطي ـ “مقاصد الكتاب بعبارة موجزة” .

“نقطة الانحدار”، فالنقطة تحيل إلى التوقف، والتوقف قد يعني الهدوء بعد العاصفة أو قبلها، وقد يعني السقوط، كما

قد يعني الموت والانتهاء. وقد يعني البداية، بداية انطلاقة جديدة، كقولنا، ” نقطة إلى السطر”، وأول السطر يوحي

ببداية جديدة، أو إلى تغيير في مجرى الأمور، والنقطة تعيدنا إلى البدء، كما تدفعنا إلى النهاية والختام، وهي توقفٌ للتفكير أأقف أم أستمر بنفس آخر جديد؟ كما أنها في نفس الآن، البداية والمنتهى، وفي الغالب الأعم النقطة تعني النهاية، ولا شيء.. والنقطة من الشيء أقلُّه، ذرَّةٌ فيه، لكنها في عنوان الرواية، كبيرة لا حجم لها، تحيط بها الخطورة حين تدفع الإنسان إلى الانحدار والسقوط. أما الانحدار ـ الطرف الثاني من العنوان ـ فيعني العقبة التي تُسَرِّع عملية النزول والهَوْيُ والسقوط إلى ـ القاع والحضيض. وكلما كانت درجة الانحدار شديدة، كان السقوط أقوى وأشد..

والانحدار هنا يكمّل معنى النقطة ويُعطيها معنى واحد، بداية السقوط إلى الأسفل، وهنا تجدر الإشارة إلى

الاختيار الذكي والموحي للعنوان، حيث جعلته الكاتبة بحمولات متعددة تتعدد بتعدد الشخوص كل حسب معاناته،

هذه الشخوص التي وقفت عند نقطة الانحدار، منهم من أعاد لحياته معنى وكانت نقطتهُ بداية ًوتجنُّباً للانحدار(2)، ومنهم من تابع الانحدار إلى الهاوية السحيقة التي لا رجعة منها، فكانت نقطتهم نهاية المشوار تم السقوط أو الموت(3)..

بين الانحدار والصعود، تنمو تيمة الرواية وتبني معمارية حكيها مُتَّخذة من النفس البشرية وآلامها، مطية نحو تشريحها وتعرية ما ران عليها من أدواء وانكسارات وإحباطات وتراجعات وخيبات..

بين الانحدار والصعود، تجلس شخوص الرواية على كنبة طبيب نفسي، تحكي وهو يستمع إليها بإمعان وانتباه، كما تُرغِمُ المتلقي/القارئ أن يستمع إليها، وهي تبوح بما يعتلج داخلها من صراع في محاولات يائسة لإيجاد موطئ قدم صلب يقيم إنسانية الإنسان، في واقح يعيش الحلم الوردي ويُغنّي له، لا يأبه بالإنسان حين يُشيّئه ليصنع منه شيئا لا قيمة له وقد سلب منه ماء الحياة وما يعطي حياته معنى لأن تُعاش بكرامة وسكينة .”المشردون لا يموتون من الجوع أوالعطش.. إنهم يموتون من العنف، من عدم الإسعافات في حالة إصابتهم بمرض أو حادث.. ويموتون من الجنون..” (ص 76).. “.. المسكين لم يستطع شراء الأنسولين الضرورية لحياته.. مات بسبب غياب تغطية صحية في أغنى بلد بالعالم” (ص 92)..

بين الانحدار والصعود، يُصبحُ القارئ مُنْصِتا لهمّ شخوص الرواية وهي تحكي ألَمَها في عالم الأحلام المادية، مُتَنقّلة عبر سرد هادئ من مبتدأ الرواية إلى منتهاها، متشظّية بين الخوف والتَّمنّي، والخير والشر، والقوة والضعف، والمواجهة والتراجع، والحب والكُره، والذل والكرامة..

بين الانحدار والصعود، يفضح السارد بلغته الرّصينة السلسة دعاية العالَم المُتحضّر، عالم المال والأعمال والأحلام،

  • ـ جوردن شخصية الرواية الذي لم يجرفه الانحدار، وأعاد لحياته معنى آخر جديد مع صديقته ميريل..
  • ـ الغالي شخصية الرواية الذي جرفه الانحدار إلى الموت رغم محاولاته النهوض.

اهتمامه بالإنسان، في حين أن واقعه المعيش والمخفي، يُنذر بالانحطاط والتردي والانحدار، بينما “الحلم الأمريكي” منه على بعد كرامته وإنسانيته في أبسط متطلباتها العادية والبسيطة.. “كنتُ أعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية لها الصدارة في الرفع بالإنسان إلى أعلى، ولم أكن أشكّ في أن لها الصدارة في الرّمْي به إلى الأسفل كذلك” (ص 51).

بين الانحدار والصعود، تضع الرواية مقولة “الحلم الأمريكي” والتَّشَدُّق بالإنسان وحقوقه كأولوية، موضع تساؤل تحت مجهر الأحداث التي تتسارع مُعرِّيةً

الواقع الحقيقي، البئيس والأليم الذي ” يُلقي بك في مزبلة المجتمع.. فتبيت في الشارع بجانب أكياس القمامة.. تُصبح قمامة بشرية” (ص 104)،  واقع لا إنساني، صادم، وقف أمامه “حميد” موقف المندهش، وهو الذي جاء أمريكا يحمل مفاهيم عن عظمة وقوة أمريكا وحُلمها الوردي الذي يضع الإنسان فوق كل اعتبار، ويرغمه على طرح أسئلة وجودية واجتماعية، يشاركه في طرحها القارئ، مع صديقه “جوردن” وأمثاله من المتشردين الذين يخجلون من انتمائهم ” لبشرية تسمح أن يعيش أبناؤها في وضعٍ يفتقر لكل إنسانية” (ص 97)..

 

أنفاس نت

الخميس 31 مارس 2022

https://anfasse.org/قصة-و-دراسات-أدبية/26-دراسات-ادبية-ونقدية/10866-جُرحٌ-إنساني-بين-الانحدار-والصعود-عبد-المطلب-عبد-الهاد

ي