الحق في الرحيل: رشاقة النص السردي وحداثته !

 

رجب الطيب

تطرح الروائية المغربية فاتحة مرشيد , من خلال نصها الروائي ” الحق في الرحيل ” أكثر من قضية أجتماعية ذات طبيعة أشكالية في المجتمع العربي , وهي منذ أول جملة سردية في النص , بل ومنذ التضمين في المقدمة , الذي يحيل الى مقولة للكاتب الفرنسي شارل بودلير , تذهب مباشرة الى مركز النص , الذي يعالج واحدا من أثنين من أهم حقوق الأنسان التي حرص القرن التاسع عشر في أوروبا على توفيرها للأنسان , وهما حقه في الأختلاف وحقه في الرحيل .
ماذا كانت تقصد الكاتبة بالحق في الرحيل ؟ قد يتبادر الى ذهن احد من القراء , الى أنها تدعو الى حق الأنسان في الهجرة أو الأقامة في أي مكان يريد من هذا العالم , لكن وبعد سرد رشيق , تدفقت عبره الحكايا القصصية , التي أرتبطت بخط السرد الرئيسي وتشابكت مع القصة المركزية والتي كانت قصة حب / درامية بين مغربيين التقيا في الغربة , بعد أن عاشا فيها سنينا طويلة , وباتا في خريف العمر , يتبين بأن المقصود , هو الحق في الرحيل عن الدنيا , أو ما يعرف في الأوساط الطبية والعامة ب ” الموت الرحيم ” .
قبل ذلك , بدأ النص بطرح قضية أشكالية أخرى , ربما تحتاج الى رواية أخرى من الكاتبة , او الى جزء ثان من هذة الرواية لمعالجتها , وهي قضية الحكم بالأعدام , المعمول بها في بلادنا , والذي أسقطته من منظوماتها القانونية كثير من بلاد العالم المتحضرة .
يبدأ النص الروائي , بالراوي , وهو يتحدث بضمير الأنا المذكر , بما يوحي بابتعاد النص عن كونه فصلا من فصول السيرة الذاتية التي عادة ما تسم النصوص الروائية العربية , كما يوحي ايضا بأحتراف الكاتبة للكتابة الروائية , فهي المرأة تتحدث بضمير انا الرجل , بما لا يعني _ كما هو حال بعض الكاتبات العربيات المعاصرات , من أنهن ما زلن مسكونات بسمات الوعي الذكوري , رغم كونهن نساء _ أنها لا تتقن لغة الرجل وحسب, بل وتتقن الدخول إلى عالمه , ربما ما سهل عليها الأمر , هو كون الراوي هنا , كاتبا أصلا , أي ان اختيار الراوي / البطل كاتبا روائيا , كان ” حيلة فنية ” او أدبية , حتى تتوارى الكاتبة وراء الراوي , كما أن صفات شخصية الراوي / بطل النص , من حيث كونه ” غيريا ” متواضعا , او رجلا ليس متطلبا ولا طامعا بشيء , بل هو يعيش من وراء كونه صحفيا , ومن خلال كونه ” كاتب شبح ” , حتى انه مارس يوما مهنة ان يكون ” الكاتب العبد ” لكنه اقلع عنها , حين تبين له ان من يكتب له النص الروائي , لا يتورع عن أستخدامه فيما يضر الناس .
ما تمتعت به شخصية الراوي من إخلاص في الحب والوفاء , إن كان لإسلان أو حتى لربيعة من قبلها , وما ظهر عليه , من صفات , عادة هي ليست من صفات ” الذكورة الشرقية ” كل ذلك , جعل من كتابة فاتحة مرشيد في ” الحق في الرحيل ” امرا مقنعا للغاية , بل دليل على انه يمكن كتابة نص روائي احترافي , من خارج نطاق تجربة السيرة الذاتية , وليس ذلك وحسب , بل وأن يكون النص رشيقا وحداثيا , وشيقا , ورشيقا في نفس الوقت .
تدور قصة الرواية , حول فؤاد , وهو صحفي عربي / مغربي يعمل لدى صحيفة عربية لندنية , يقع فجأة في حب إسلان المغربية / الأمازيغية , المغتربة والتي تعمل ك ” شيف ” أو مدرسة طهي في المدرسة الفندقثة , بعد ان اختارت ” الطبيخ ” كمساق جامعي وكمهنة , جابت من اجلها دول العالم , كما عاشت حياتها من أجلها , ولم يكن لقاء فؤاد بإسلان , إلا بعد ان جاوزت هي الأربعين , وبلغ هو الستين من العمر , ولم يتزوجا , كلاهما , وكأن القدر كان قد نذر احدهما للآخر .
لكن يبدأ النص وفؤاد محكوم بالأعدام ينتظر تنفيذه برضا تام , بتهمة قتل حبيبته , يسمع من وراء القضبان إرهاصات التظاهر ضد هذا الحكم الذي يتمنى ان يكون هو آخر من ينفذ فيه , بما يكون من شأنه تشويق القاريء ليعرف سبب إقدام فؤاد على ارتكاب ” جريمة القتل ” بحق من كانت تريد منه ان يكتب قصتهما كرواية , فيقضي آخر أيامه يسابق حبل المشنقة لتحقيق تلك الرغبة , والأنتهاء من النص , الذي جاء محاكيا للقصة , في إيقاعه السريع المشوق .
النص جاء مقطعا عبر اربعة فصول , بدأ بالراوي / بطل الرواية , فؤاد , وهو يسرد لم يكتب وهو المحكوم بالأعدام , ثم يسرد كيف تعرف إليها وكيف حبها , وكيف انه سرد لها قصة حياته , منذ عاش يتيم الأب , الى أن ذهب للدراسة في باريس , إلى أن إلتقاها في لندن في ليلة رأس السنة , حيث كان رئيس تحرير الجريدة التي يعمل فيها , قد أقام حفلا دعيت إليه إسلان المرأة التي لفتت أنتباهه منذ اللحظة الأولى , الى ان يتفقا على ان يكتب قصتها , فتبدأ الحديث عن نفسها ساردة سيرة حياتها .
تتحدث أسلان عن نفسها , فنقرأ سيرة حياتها , لأم لم تحبها لأنها ولدتها بعد أن مات اخوها , الطفل موسى في ” سطل ” ماء , حيث أحالت الحادثة امها ” يامنة ” إلى امرأة مصابة باكتئاب دائم , وبهوس النظافة , ولهذا السبب لم يكن بمقدور إسلان دخول مطبخ البيت , ورما كان هذا سببا في أن تعشق الطهي وان تختار من أجله أن تنذر حياتها , وان ترافق معلمها الياباني ” هيروكي ” الى أن مات . الى ان يعرض عليها الزواج , وهما في رحلة عبر ” دولاب عين لندن ” , فتطلب منه ان يطلب يدها من أخيها فاسم , المقيم في باريس .
يبدأ الفصل الثاني وهو على متن الطائرة التي تقله من لندن الى ازمور , مسقط رأسه , الذي غادره منذ ثلاثين عاما , فتكون عودته مناسبة لسرد قصة حياته , وكأنه يسردها لإسلان , أو للقاريء , حيث يتذكر ربيعة , والتي من خلال قصتها , تكشف الكاتبة عن أمر مسكوت عنه , عن واحدة من أكثر القضايا أشكالية في المجتمع العربي ” سفاح القربى ” حيث يتبين لنا أن فؤاد الراوي / البطل يتمتع بشهامة الرجل الشرقي , الذي يسارع إلى إنقاذ فتاة كانت ضحية الأغتصاب من قبل اقرب الناس لها ” أخوها ” صديق طفولته , صلاح , فيتزوجها على الورق , أي شكليا , ثم يتركها مع امه ويعود ليتابع دراسته في باريس , حيث تنجب هي نتيجة اغتصاب أخيها لها , الصبي ” الطاهر ” الذي يولد معاقا , سرعان ما يموت وهو في الخامسة من عمره .
التقطيع السردي يمنح النص رشاقته
بأستثناء مقطع من الفصل الأول , حين تبدأ إسلان بسرد قصتها لفؤاد , شخصية الكاتب في الرواية , او الراوي فيها , فإن السرد كله يتم على لسان الراوي , عبر مونولوجات متتابعة , يتم تقطيعها , بين فينة واخرى , لكسر حدة رتابة السرد , ومنحه التشويق اللازم والإضافي , من خلال تلازم خطين سرديين : الأول السرد المتتابع الواقعي , أي الأحداث التي يمر بها فؤاد من لحظة تعرفه على إسلان وحبه لها , في سياق ذهابه لشقتها ثم لقاءاتهما , رحلة عين لندن , ذهابه لباريس وخطبتها من أخيها , ثم عودته إلى أزمور , وتجواله في شوارعها . والثاني حين يدخل على هذا الخط الواقعي , خط الذاكرة , فيتذكر بمناسبة أن يجد شوارع البلدة خالية من السكان بسبب مباراة في الدوري الأسباني , وسماعه اغنية لناس الغيوان , ” حلقة ” الحكايا مع أصدقائه : رشيد , حميد , ويوسف .
وهنا يعرض النص قصصا , ربما ليست لها مهمة مباشرة في بناء النص دراميا , فهي لا تضيء الشخصيات المركزية ( فؤاد , إسلان ) بقدر ما تعرض حكايا مثيرة , اخذت النص الى عوالم ” الف ليلة وليلة ” , ربما لتشير الى خفايا الواقع المغربي , وما ينجم عن هجرة رجاله للغرب , من تأثيرات على زوجاتهم اللواتي يحرموهن من حقوقهن العاطفية , فنجد أن حميد كان قد مارس الجنس مع ” الخالة خدوج ” أم زميله إبراهيم وهو مراهق في الخامسة عشرة من عمره , كذلك فعل مع ” لالة غيثة ” زوجة الحاج بايزيد , مشغلته في الدكان في باريس , حيث اضطر للعمل ليصرف على نفسه كطالب جامعي , ثم كانت ” الحلقة ” مناسبة لعرض علاقة رشيد بالمحامية الفرنسية كلود , التي تكشف أسرارا عجيبة , من خلال شخصية منفصمة عمليا تندفع في ممارسة الجنس الى حد الشذوذ , بتقمص شخصية العاهرة , وممارسة الأثارة في المكتب وفي مراحيض المحكمة , ثم بعرض ممارسته _ ربما _ بعلم زوجها , _ قررت انهاء العلاقة يوم اقترحت ان تقدمني لزوجها ص 96 .
وربما كان هذا الأمر يشبه ما كانت تفعله ” لالة غيثة ” التي كانت لا تحب ان تمارس الجنس مع يوسف , إلا وزوجها على مقربة منهما , حتى احيانا وهي تتحدث اليه بالهاتف , ثم يصل الأمر بها ان تعرض على يوسف تزويجه من بنتها ( 8 سنوات ) حين تبلغ السن القانوني , حتى يبقوا جميعا اسرة واحدة !

اما يوسف فقصته تقتصر على حبه الكبير ل ” شامة ” ابنة مدير المدرسة حين كان في الثانوية , والذي زوّجها من آخر , فجاءته في الليلة السابقة على ليلة زفافها , وتعانقا عاريين في حديقة المدرسة تحت ضوء القمر , حيث , ربما أن هذا الحب الرومانسي قد أحال يوسف الى الفنان التشكيلي الناجح لاحقا .
الأصدقاء الأربعة تفرقوا , حميد بقي في باريس وصار تاجرا , يوسف ذهب لأمريكا وصار فنانا تشكيليا , أما دكتور رشيد فعاد للمغرب , وفؤاد اقام في لندن يعمل بالصحافة , الى ان التقى فؤاد , في افتتاح مطعم إسلان بأغادير الدكتور رشيد , الذي يشرف على علاج زوجته لاحقا من مرض السرطان الميئوس منه , ويتخلله أستئصال لسانها !
حداثة سردية : يلاحظ ان الكاتبة قد كتبت النص , كما لو كانت شهرزاد , حتى وإن كان الراوي شهريارا , اي عبر تقنية السرد المتتابع , من خلال حكائية متواصلة , سرد فصولها الراوي / البطل , دون توقف , مع اهتمام خاص بمتن القص , اي المونولوج , وقليلا ما كانت تبدي الأهتمام بالوصف الخارجي , فليس هناك من تعدد في الشخصيات , اي ان الرواية عمليا هي نص حداثي / قصصي , ابتعد عن بنية النص الروائي الكلاسيكي , الذي يقوم بتشييد البناء الروائي وفق تعدد الأصوات وتنوع الأماكن , بل ووصفها , اي باعتماد ( السناريو والحوار ) _ هنا قليلا ما ظهرت صورة السيناريو , كذلك الحوارات , حيث جاء السرد في معظمه في سياق المونولوج الداخلي أو من خلال مخاطبة الراوي للقاريء مباشرة .
وقد ظهرت بتقديرنا المهنية في الكتابة من خلال , بناء النص السردي , على فكرة , تريد الكاتبة ان تكون مطروحة على طاولة حوار النخب الثقافية العربية , وهي فكرة الموت الرحيم , وكان طبيعيا, أن تعتمد على قصة حب قوية ومثيرة , بطلها رجل وامرأة عاقلان _ تجاوزا الأربعين عاما _ اي ليسا مراهقين , ليكون الأمر أكثر أقناعا , وحيث لا يمكن ان يقدم على فعل ” القتل الرحيم ” إلا محب , وصاحب مبدأ وقيم , مثل فؤاد في هذا النص , الذي رأيناه يسارع إلى إنقاذ ربيعة , ولا يطمع فيها بشيء , حتى وهي ” حلاله ” زوجته شرعا , وحتى حين جاءته في غرفته وكانا وحدهما بعد أن ماتت امه بقميص نوم شفاف . كذلك لاحظنا تضمين تقنية التقرير الصحفي , حين أخذ فؤاد يبحث في الأنترنت عبر ” جوجول ” عن كل ما له صلة بفكرة الموت الرحيم من الزوايا القانونية والإنسانية والدينية , وليجد في ” الربيع العربي ” دفاعه للثورة على منظومة القوانين العربية / الشرقية , التي تجرم من يقوم بفعل الموت الرحيم , وتعتبره قاتلا وتحكم عليه بالأعدام ! وكأن الفاصل بين الواقع والنص يكاد يختفي هنا , فكأن الربيع العربي نفسه هو الذي حفز فاتحة مرشيد على كتابة نصها حول هذة الفكرة , والتي ترفعها شعارا وعنوانا ” الحق في الرحيل ” .

 

الحوار المتمدن، العدد: 4591

2/10/2014