رواية “التوأم” للمغربية فاتحة مرشيد: المفارقات الاجتماعية والأحاسيس الملتبسة.

إبراهيم الحجري

 

تواصل الروائية المغربية فاتحة مرشيد مشروعها الرّوائي، بالموازاة مع المشروع الشعري دون أن يكون أحدهما مؤثرا في نصيب الآخر من الاهتمام والحضور، وإذا كانت القصيدة لديها تغرق في بحر المشاعر واللّواعج والجوانيات، فإنّ السّرد الروائي لديها ينحو منحى خلخلة المواضيع الاجتماعية، ومعالجة الظواهر النفسية والفنية ذات الصلة بها، متخذة من الكتابة قناة للتواصل مع الذات من جهة، ومع الآخر من جهة ثانية، ومع الواقع المتعدد الأبعاد من جهة ثالثة، كل ذلك دون تفريط في مستوى الصوغ الأدبي والفني، وطبقات اللغة، وغنى الخطاب.

غير أنّ الجدير بالذكر أن الواقع المعالج في أعمال الروائية فاتحة مرشيد، كما هو الأمر في جميع أعمالها الروائية، هو واقع نخبوي، يدور حول حيوات الطبقة المتوسطة والراقية في المجتمع (فنانين تشكيليين، مغنين، روائيين، أساتذة جامعيين، سينمائيين…) والعلاقات التي تربط بين مكوناتها، وتفاصيل ما يقع في فلكها من أسرار ووقائع وتصادم الرغبات، وتقاطع النزعات والمصالح، وما إلى ذلك، مما يبدو خفيا للقراء، وبعيدا عن اهتمامات باقي الطبقات الأخرى.

موضوعات متوازية

تعالج رواية التوأم مواضيع متعددة تتناسل عبر المحكي، وتتوالد من بين كوات الحكاية الإطار، ونوافذها المشرعة على حكايات صغيرة، لتنميها، وتطورها، وتعقد مسارات شخوصها، وتغذي حبكاتها، وقد تضمنت هذه الرواية عدة قضايا، عالجتها بأسلوب تناوبي، وهي وإن اختلفت عن بعضــــها من حيث الأســـئلة والجوهر، فإنها تتلاقى من حيث ارتباطها بالحكاية المركزية التي تتحدد في مقولة «التوأم»  التي يبئرها كلّ من الغلاف والعنوان، والتي ستصبح في المحـــكي الروائي توائم عدة مرتبطة في ما بينها بمصـــائر متقاطعة، وحيــــوات متشابـــهة، فبتأملنا لتحولات المتن من فصل لآخر؛ نجد عددا من التوائم الحقيقية والمفترضة، التي تفصح عنهم الرواية بالتدريج: (مراد، العامل الذات في الرواية، ومنير، نادية زوجـــة مراد، وحبيبته نور، وائل وجاد…

ولعل هذا التركيز على التوأم ليس اعتباطا من الرواية، بل هو نحت في الخصوصية الاجتماعية والنفسية للتوأم باعتبار العلاقة الخاصة التي تربط بينهما كفردين لهما حاجات ومكونات متشابهة وأحيانا متطابقة، لكن التركيز على موضوع التوأم، على الرغم من أهميته، لم يكن تركيزا قويا بحيث يسلط الضوء على مختلف الأبعاد التي يطرحها الموضوع سيكولوجيا واجتماعيا وبيولوجيا، بل سرعان ما تنصرف عنه الرواية إلى مواضيع أخرى، فهو ليس سوى موضوع مساعد يصب في مجرى إضاءة الموضوع الأساس، الذي يتعلق بالوضعية الملتبسة لعلاقة مراد المخرج السينمائي بكل من نادية زوجته الفنانة السينمائية، واختها نور الممثلة السينمائية المتزوجة بصديقة الروائي كمال، وأثر هذه العلاقة التي كان طرفا قويا فيها، على ذاته ومطامحه، وعلى الشخصيات الأخرى التي تشاركه الأحداث.

تحكي قصة الرواية عن رجل سينمائي اسمه مراد ضائع بين إخلاصه لزوجته نادية، وحبه المجنون لاختها نور التي قدمها بيديه إلى زوجها هدية بعد أن عرفها عليه إبان عمل سينمائي مشترك، ثم يتخلى عنها له قبل ان تنضج علاقتهما، فيلوذ بأختها، ويتزوجها ليقوم درجة الوله التي أصيب بها، بحكم قربها الشديد منها، وظل يترصد قربها حتى انفصلت عن زوجها كمال الذي تخلى عنها، وواصل بحثه عن المتعة مع نساء أخريات، في وقت عصيب بالنسبة للزوجة التي كانت حاملا منه بتوأم، فتحاول أن تجهض دون أن تعلمه بالواقعة، لكن مراد سعى بكل ما يملك من قوة لمنع الإجهاض، وليواصل التوأم حياتهما، فيقنعها أخيرا بذلك، بعد ان يعدها بتربيتهما والتكفل بهما خلسة من الجميع بما في ذلك نادية زوجته، التي لم تعلم الخبر سوى أيام قليلة قبل توديعها العالم، جراء مرض تشمع الكبد المفاجئ الذي لم تجد له علاجا، وعلى الرغم من حرص مراد على أن يحقق لزوجته طلبها الأخير بإخبار كمال بحقيقة أبوته للتوأم، فإنه لم يفلح في ذلك، لكون الأخير بدأ حياته مع امرأة أخرى، وبالتالي يجد مراد نفسه أمام حل وحيد أن يذعن للمصير القوي الذي جعله يعود إلى حبه الأصلي، ويتبني التوأم الذي أعاد إليه الحكاية الأولى التي كان طرفا فيها، ويرمم بها صدع حياته الملتبسة بفعل فقدان أخيه، وحرمانه منه نتيجة انفصال والده وأمه لسبب غامض، لم يتبينه إلا بظهور والده الذي أباح له بسبب طلاقهما، وفصل التوأم عن بعضه.

هكذا تكون الرواية قد راوحت مناقشة محاور موضوعية متعددة ومتداخلة: (الحب، الخيانة، الفراق، الكتابة، هموم الفن السينمائي، التبني، الموت، المرض، خصوصية التوائم، مشكلة الشيبانيين التي كانت مجرد ذريعة فنية…) بنوع من التوازي والتبادل، حتى نكاد أحيانا لا نميز بوضوح الموضوع الرئيسي للمحكي الروائي.

الراوي ومراياه المضمرة

اختارت الكاتبة هنا، أن تمنح مفاتيح الحكي لراو رئيس يساهم في الأحداث، ويقوم بدور السرد في الآن نفسه، ويتعلق الأمر بشخصية مراد الذي يحكي كل تفاصيل العالم الروائي، باعتباره الشخصية المحورية التي تنبثق عنه باقي الشخصيات التي لا أهمية لها في الحكاية إلا بما تضيء به حكايته، وهو وإن كان يستأثر بالحكي، فهو غالبا ما يترك فسحة للشخوص الأخرى للقيام بسرد حكايتها الخاصة عن طريق البوح والحوار، إنه يستدرجها بأدواته الخاصة كي تحكي ما يريد لتسير القصة في خطها المسبق التصميم خدمة للموضوع الأساسي.

ويكاد ضمير المتكلم هنا، يكون موجها تنظيميا للخطاب الروائي، فهو يساجل، ويبوح، وينظم العلاقة بين الشخصيات، ويرتب الأحداث، ويصف الأمكنة والأزمنة، بما يراه ملائما، وكأنه الصورة المقنعة التي يتخفّى وراءها الكاتب الفعليّ. وكلما شارفت عقدة النص على الحل، يفتح كوة جديدة لتتنفس القصة الصعداء، وتتعقد من الجديد، من خلال إقحام شخصية جديدة تنمي الحكاية الإطار وتغذيها.

يبدو انغماس الراوي المشبع بنكهة واقع آخر غير القاع الاجتماعي، في جوانيات محكي الطبقة المثقفة الممثلة للنخبة، كبيرا حد التماهي، إلى درجة أنه يعرف التفاصيل الدقيقة حول هذا العالم، ويعرف أسئلة أهله، ومطامحهم، ومشاكلهم التي تبدو أحيانا، غريبة عن هواجس المجتمع السفلي، إن لم نقل، تبدو تافهة، وربما أفادت هذه الرواية، وكل أعمال فاتحة مرشيد، في إضاءة هذا العالم المتحصن في برجه العاجي، ووجدت الخيط الناظم بين الطبقتين «العليا» و«السفلى» بحثا عن سبل التلاقي والتقريب بين الرؤى والأسئلة التي هي في نهاية المطاف أسئلة كل إنسان، وفي تقاطع كل الجغرافيات.

اختارت الروائية لتأثيث فضائها الروائي عوالم تطوان وواد لاو وطنجة والجديدة والبيضاء والصويرة، فضلا عن أمريكا التي تحضر كفضاء ملفق ومفكر فيه، ولعل هذا التنويع هو بقصد توسيع دائرة تمثيل سؤال الجوهر الإنساني، والخروج من دائرة الروتين، ونقل الحركة من مكان إلى آخر، بحثا عن فهم للكون، وغوصا في التجربة الإنسانية التي هي، في نهاية المطاف، المطمح البعيد لكل عمل روائي.

 

 

جريدة القدس العربي

الأحد 20 ديسمبر 2020