لحظات لا غير…

لعبة الزمن

 

خديجة شاكر

 

كان أول لقاء لي مع كتابات فاتحة مرشيد الروائية، منذ أكثر من سنة، عبر “مخالب المتعة”، وقد حملتُ إلى صديقاتي، نساء الربوة، الاستهلال الذي يتصدر الرواية، ” السعادة هي المتعة من غير ندم”، وهي قولة لسقراط، الفيلسوف اليوناني الذي لم يكتب أبدا، وأظنها وردت في محاورة أفلاطون “فيليبيوس” حول السعادة واللذات.

حملت هذه القولة إليهن طريقا لاكتشاف عوالم هذه المبدعة المغربية، وتأملا في أحد مبادئ الربوة، مبدأ المتعة..: متعة المعرفة واكتشاف الجمال، ومتعة اللقاء ولذة التواصل، والانشراح الذي يخلقه تبادل الأفكار والعواطف بين نساء يجمعهن الكثير…وأكدت وأنا أتلو قولة سقراط التي اختارتها فاتحة مرشيد حكمةً للرواية؛ أن علينا ألا نندم على متعنا ففي ذاك سعادتنا ووعينا بالخير الأسمى…

لم يكن هذا اللقاء فقط ما أنعش علاقتي القديمة مع الحكمة وأقوال الفلاسفة، وأعادني إلى التأمل في اختيارات الربوة ومبادئ عملها وخلفيات اشتغالها؛ بل كانت لقاءات أخرى مع الكاتبة عبر رواياتها الثلاث: الحق في الرحيل، الملهمات، ولحظات لا غير…

وسأنقل إليكن، صديقاتي، بعضا مما شغلني وملأ عليّ تفكيري ومشاعري وجعلني أراجع المسلماتّ، وأنا اقرأ لمرات رواية فاتحة مرشيد الأولى، تلك التي نقلتها من الشعر وفتحت لها عوالم الكتابة الروائية، فدخلتها حاملة معها رقة الشعر ورهافة الإحساس.

  • لحظات لا غير…

هل سبق وفكرنا في علاقتنا مع الزمن، وخاصة الزمن الحاضر؟ هذه اللحظات التي نحياها الآن..؟ الآن ينساب بخفة ولا يعود إلا بفعل تلك القوة السحرية التي نسميها الذاكرة.. وحين نسترجعه، نؤثر فيه ونعيد تشكيله كما انطبعت آثاره في وجداننا…هذا الآن، هو لحظة بطرفة العين، ثواني سريعة في حساب الوقت…تتراكم وتتراكم فتصنع أعمارنا، وتنحت وجداننا وتغذي ذاكرتنا..

تنساب اللحظات إذن ونحن عنها لاهيات، تجرفنا الرتابة أحيانا أو تنعشنا العلاقات والأحداث أحيانا أخرى. وفجأة، وحين يهاجمنا الخوف من النهاية، نعي قيمة اللحظة، فنحاول أن نحياها حتى آخرها، أن نملأها، أن نحاصرها بمشاعرنا، وان نمسك بها بكل ما أوتينا من قوة..

وحين ينضح عنوان الرواية بالاستعطاف، بالرجاء… لكيلا ينساب الزمن كما هي طبيعته؛ فذلك يعني أنه استجداء للمستحيل، فكيف يمكن أن يتوقف الزمن؟ كيف يمكن أن لا يسير كما هو عهده وعادته؟

بدءا من هذا العنوان تتجلى المواجهة بين الحياة بكل توثبها وجمالها، وبانسيابها أيضا، وبين الفناء والعدم.. الرواية استجداء للأبدية، بل إنها قنوعة ببعض من الزمن، زمن العشق وزمن الفرح، قناعة مفرطة بثواني فقط، تعيشها الساردة “أسماء الغريب” بكل زخمها، وبكل عمق مشاعرها، ثم لتذهب بعدها ولتنقضِ وتذوب في غياهب الزمن…تكفيها هذه اللحظات العامرة بالحب، وبقرب “وحيد الكامل”.. ولا ترغب في أي شيء آخر…

الرغبة في استبقاء اللحظة، وفي توقيف الزمن؛ هي حلم العلماء وموضوع الفلاسفة وأمنية العشاق، ورغم أن الفناء أقسى وأكثر سطوة؛ فإن الإنسان ابتكر الكثير من أجل الخلود.

سأدخلكن معي، إذا سمحتن، في لعبة الزمن، هذا الذي نحياه الآن في لحظاته الهاربة منا؛ وسأحاول، عبر لحظات نخلقها، وهي بحجم الزمن؛ أن أكشف لكن ما استبد بي من مشاعر، وما طاف بي من أفكار والساردةُ تعلن دافعها لتحدي الزمن، وتكشف سر استعطافها له من أجل بعض من لحظاته.

  • الأولى: لحظات الحزن

تمتلئ الرواية بالحزن، نعيشه بكل الأسى الذي يبعثه فينا منذ الصفحات والكلمات الأولى إلى النهاية.

هذا الحزن الدفين الذي يفضحه مسار حياة الشاعر «وحيد الكامل”، وتسرده “أسماء الغريب” الطبيبة النفسية، عبر لواعجها؛ هو دفين لا يعلنه أي منهما، ولا يتبادلانه كما يتبادلان مشاعر أخرى، لكنه يعلن عن نفسه رغم تمنعهما، عبر الكثير من المحطات والأحداث:

  • موت الأم، أم وحيد: “… رحلت، فسادت الحُلكة.” ذهبت الشمس التي تشرق وتغيب حين استيقاظه وبعد غفوته. (ص12، 14) ؛
  • موت الأب، أب أسماء: “…أحسست بمدّ أسود يجتاحني” و”الحزن امتلاء بالسواد”(96) “آه من الفراغ المميت الذي يخلفه موت الأب، إذ يظل رغم مرور السنين، يحفر ويحفر” (ص19) إنه جرح عميق لا يشفى؛
  • موت الأب، أب وحيد:” أنه رغم كل ما أدعي، موجود بدهاليز قلبي المعتمة بعد أن أخذت والدتي معها المصباح. وإن على قلبي المعتاد على الظلام أن يفتح نوافذه.” (45)
  • اعتقال إبراهيم، صديق وحيد وموجهه: “كم كنت أفتقده في باريس، أفتقد جلساته ومناقشاته ومرحه..”(ص24)، ؛
  • فشل العلاقة الزوجية: ” لم يستطع أن يلمس قلبي…لم ينجح في تحسس نبضي…كنت التلميذة المنبهرة أمام أستاذها.. وشيئا فشيئا أصبحت حياتنا ببرودة أدواته الجراحية، بيتنا كقاعة العمليات، معقم من كل حب.” (ص34)
  • الحرمان من الإنجاب:” أحسست بموجة من الحزن تخترقني…ممنوعة من الخلود ما دمت يائسة من إنجاب أبناء حقيقيين كانوا أو رمزيين.” (43)
  • المرض: لا يسبب المرض الألم والمعاناة فقط بل إنه يصبح منبعا للحسرة وللحزن. يتلاشى وقع الصدمة، صدمة اكتشافه، ويستقر الأسى قابضا بزمام الروح. والمرض الفتاك حاضر في الرواية مرتين وبنوعين. والصراع معه يستمر بأشكال مختلفة. وربما لا يظهر تأثيره المحزن مباشرة على السرد، ولكن الحسرة اجتاحتني أنا القارئة وجعلت الأسى يغمرني وأنا أتمعن في عبارات خطتها الكاتبة عن المرض وعن آثاره المدمرة غالبا أو الإيجابية أحيانا، على البدن وعلى الروح.
  • الثانية: لحظات القسوة

تقسو الساردة كثيرا على نفسها. تقسو حين ترضى بوضع ظالم سببه زوجها السابق (الإجهاض ونفي الرغبة ونكران الجسد)، تقسو حين تواجه المرض الفتاك كنوع من تحطيم الرتابة (ص158) ” السرطان هو الزلزال الذي أنقذ روحي من التلاشي”، ثم تقسو علينا نحن القراء، حين يصبح المرض القاتل سببا في فقدانها لحبيبها وبهجة حياتها، ولمّا تهنأ بعد بقربه الصافي الذي لا تشوبه شائبة. فأسماء، الطبيبة النفسية؛ تكتشف دواخلها وهي تتعاطف مع مريضها وحيد، بعد أن تجاهلت ذاتها وفقدت الرغبة في التصالح معها. أسماء رفضت عملية التجميل/ الترميم مدة طويلة لأنها لم تعط لوجودها ولجسدها معنى إلا داخل إطارين: الأمومة والحب. أن ترضع أو أن تكون مشتهاة من طرف رجل محب؛ أسماء المرأة العاشقة، والغارقة في وله الحب، ابتعدت وقطعت الأواصر مع عاشقها ومع حياتها المهنية في آن واحد، إذ هي جاهزة للتضحية. أسماء تتمنى وهي المصابة قبلا، لو كانت هي المصابة ثانية عوض حبيبها “المحب للحياة” فهي قابلة للموت.

أسماء تقسو على نفسها، ووحيد يقسو على الآخرين: الأب، النساء العابرات، ثم سوزان.

  • الثالثة: لحظات العبث

أياد خفية وعابثة تبعثر الحكاية، حكاية تلك الحياة القصيرة المفعمة بالحب والفانية بالموت، حكاية العشق الجارف الذي يتربص به الفراق الأبدي، حكاية الفرح العابر من بين أكوام الحزن، تحاصره وتزيحه ثم تقتله..، ولا أعرف لماذا ذكرني اسم الساردة “أسماء الغريب” بغريب ألبير كامو، فهل هي مجرد صدفة؟ وإحساس العبث الذي هاجمني وأنا أقرأ، أتى من:

العابث الأول وهو المرض، لا يختار مواعيده لكنه يعرف أهدافه، فيحطم صرحا بناه الحب، ويزرع الفراق ويكسر السعادة المتفتحة..

والعابث الثاني هو الموت، “هازم اللذات” إنه متفوق وقاهر، يختطف أحيانا وعلى حين غرة، ويمهد طريقه بالمرض أحيانا أخرى، لكنه ينتصر في النهاية ويشتت شمل الأحبة.

الإحساس العارم بالعبث يتملكني بعد أن استكنت وظننت أن فرحي وفرح أسماء قد ابتدأ، فإذا بالموت يأتي متباطئا ليغرقها في قسوة الوحدة بعد أن تلاشى حبيبها بين أحضانها…فلماذا؟ لماذا هذا التربص القاتل.. وحين تستقبلها أغنية محمد عبد الوهاب “من غير ليه” وهي محطمة بالخبر الصاعق؛ يظهر لي الجواب قاطعا وإن كان غير مقنع…

  • الرابعة: لحظات للناس

تحضر في ثنايا السرد وبين جنبات الحكاية، شخصياتٌ تفتح أمامنا مجالات لمعرفة حالات إنسانية أو مواقف مهنية واجتماعية. يحيلنا بعض منها إلى المجتمع المغربي في فترات من تاريخه الحديث، كعبد اللطيف صديق أسماء، الفنان التشكيلي ذو الإحساس المرهف، المعتقل اليساري السابق الذي ” لم ينل السجن من معنوياته وكبريائه” وإن أورثه المرضَ المزمن، ولكنه يواجهه بالعطاء ويتجاوزه بخدمة الآخرين، وإن كان يعاني من الغربة المزدوجة؛

أو كالحاجة الضاوية مريضة أسماء، التي كانت فريسة الاكتئاب الحاد بعد أن انفض من حولها الأقرباء والخلان، وهي التي كانت تمنح الفرح بأغانيها الشعبية.. حكايتها مؤلمة في مسارها وفي نهايتها المأساوية..

أو الصورة التي قدمتها الساردة لهيئة الأطباء ودعوتها الصريحة إلى إعادة النظر في معاييرها وأحكامها الجاهزة والبالية.. وإدانتها لانعدام البعد الإنساني والبعد الاجتماعي لممارسة الطب.

هناك حالات كثيرة تفتح بها الساردة نوافذ على الواقع، في المغرب وفي فرنسا. وكما تفتحها لضرورة الحكي، تدعونا للتأمل فيها ولفتح نقاش حولها: من مثل علاقة الطبيب بالمريض، وضعية المرأة الطبيبة والمتعلمة عموما، اجتماعيا ومهنيا، أثر الحركات النسائية في تشكل الوعي النسائي، مؤسسة الزواج وتداعيها أمام أثر شروخ الزمن، الجسد الأنثوي ولذاته أمام أسوار المجتمع الخانقة… وغيرها من القضايا التي تطل علينا من ثنايا السرد..

  • الخامسة: لحظات للشعر

قرابة ستة عشر مرة تتوالى أبيات شعرية وقصائد، ترصع السرد المنساب بسلاسة مليئة بالحكم، وبوجهات النظر وبالمواقف. فمن شعر “وحيد الكامل” الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى شعر “عزت سرايّيج” وشعر “جاك بريل” وشعر “خوصي أنخيل بالنطي”. لحظات هروب ولحظات تأمل ولحظات انبهار، كلها من الشعر وبه. ” فالشعر أساسي لوجودنا” هذا ما تعلنه الساردة أسماء وقد استعادت بهجة الحياة بالحب، واستعادت رمز أنوثتها بترميم صدرها.

  • السادسة: الخلود

فوق الزمن وبعده، تُخلّد كل اللحظات وليس بعضُها فقط. حين تستهل الكاتبة روايتها بأمر صارم: ” تريث قليلا أيها الموت… إني أكتب” فإنها تتحدى الزمن كما تتحدى الموت، تواجه الفناء بالكتابة… “فالكتابة أبقى من الإنسان”(ص 68) وهي “رئة ثالثة” بها نستطيع أن نتنفس. الكتابة حرية وطوق نجاة وعلاج شاف..

والرواية مديح للكتابة وتمجيد لها وغزل جميل في القلم، فبالكتابة تسيطر الساردة على الزمن، توقفه وتعيد لحظاته المفرحة والمحزنة، تستعيد بالكتابة لواعجها وتبوح بعشقها. وكما استطاع وحيد أن يسترجع توازنه النفسي وحبه للحياة عبر كتابة الشعر؛ استطاعت أسماء، الطبيبة النفسية التصالح مع ذاتها والغوص في أعماقها حينما أحيت ولعها المنسي بكتابة الخواطر والقصص.

هذه الرواية التي تتوسل بعنوانها بضع لحظات آنية من الزمن، هذا الخط المنساب نحو المستقبل؛ هي نفسها التي تجعل الزمن يفقد أبعاده التقليدية، الماضي والحاضر والمستقبل، فتصبح بداية الأحداث هي نهايتها، ويتحول الخط الماضي نحو الغد، خطا دائريا يبدأ من الغد ليمر بالأمس.. وهنا براعة الكاتبة التي أدخلتنا في لعبة الزمن دون أن ندري، أدخلتنا فيها لأنها تتحكم بكل لطف وسلاسة في ساحرتين عظيمتين: الذاكرة والكتابة …

فشكرا لك سيدتي على كل هذه المتع التي أهديتنا إياها، والتي لن نندم قطعا عليها.

 

“لحظات لا غير.. لعبة الزمن”، خديجة شاكر، كتاب “أوراق الربوة”، قراءات في الأدب النسائي المغربي، منشورات الربوة، الرباط 2017.