« نقطة انحدارهم و حفرة استحالة صعودنا »

 

رواية ‘نقطة الانحدار’ للكاتبة فاتحة مرشيد تضع قارئها وجها لوجه أمام ما يخفيه سحر النجاح والصعود المفعم بهوامات الحلم الأميركي وتعري الوجه المظلم للنيوليبرالية الجشعة والمتوحشة والمنزوعة الحس الأخلاقي الإنساني.

 

 بقلم الأستاذ لحسن أوزين

 

وأنت تلتفت الى رواية “نقطة الانحدار” للكاتبة فاتحة مرشيد، يداهمك العنوان وصورة الغلاف، التي تجعلك تدرك أنه من الصعب جدا الاعتقاد في عجلة الدائرة المحكمة الاغلاق (النيوليبرالية)، بأن هناك علو ما، ارتفاع ما، أو سمو ما يغري بحلم أمل الارتقاء الاجتماعي والانساني، فالحركة الوحيدة التي تعمق وهم الصعود، هي الجري الجنوني وراء سراب سحر النظرة التي تولدها مظاهر رفاهية وتقدم وازدهار المجتمع الأميركي. لكنها النظرة التي تخبو فيها الحياة، وهي تمعن في إذلال الانسان، وتحطيم كينونته كمشروع وجودي مهدد بالسقوط في مزيد من الانحدار الأبدي. والمأساوي في هذا الرعب الذي يترصد خطواتك أنه يتلبس وهم  حرية الفعل والاختيار، كمن يسير نحو حتفه بإرادة حرة مثقلة بعقدة الذنب في عيش محنة مسؤولية الفشل والسقوط في هاوية ما دون خط البشر/هوملس. هذا هو الإخضاع السري المرن والرهيب الذي يشكل ذات الانسان، ليس فقط من خلال السيطرة على وعيه، بل أيضا بالهيمنة على إدراكه. حيث السياسات النيوليبرالية الظالمة تعتلي منصة صدارة الانطباع كأمر واقع طبيعي خال من مبدأ التناقض المجتمعي، في سحق الناس وسلخ كرامتهم و إنسانيتهم. “عندما تكون هوملس فأنت تفقد شيئا من إنسانيتك، من كرامتك.”53

 

هكذا رواية ّ نقطة الانحدار” تضع قارئها وجها لوجه أمام ما يخفيه سحر النجاح والصعود المفعم بهوامات الحلم الأميركي في أن يكون الفرد ضمن الواحد في المئة من الذين يتحكمون في مصائر الشعوب والدول والعالم. تعري الرواية هذا الوجه المظلم للنيوليبرالية الجشعة والمتوحشة والمنزوعة الحس الأخلاقي الإنساني. فهي مع هذا التطور الباهر والأحلام الآسرة للحواس والعقل البشري، تنتج ما يفقأ العين، مآسي التشريد والتفقير والتجويع، والنبذ والرمي بالإنسان في العراء كقمامة غير مرغوب فيها. بل والأكثر من هذا كله، لا نكتشف فقط، وجهها الدموي الخارجي في التدخل العسكري واحتلال البلدان عنوة وظلما، وفي انتهاك القوانين الدولية وسيادة الأمم، وفي تدبير الانقلابات العسكرية ونشر الحروب والسطو على خيرات الشعوب، وفي التحكم في مصائرها، وفي مناصرة الأنظمة المتسلطة والديكتاتورية.

 

بل نكتشف أيضا في حق مواطنيها، وجهها الداخلي المظلم والبشع، وهي تطحن وتسحق شعوبها دون شفقة ولا رحمة. حيث تحولهم بهمجية الى هوملس أقرب الى قمامة بشرية منبوذة في العراء. “تخجل من انتمائك لبشرية تسمح أن يعيش أبناؤها في وضع يفتقر لكل إنسانية.”97  يتم كل هذا على ايقاع  التحكم السياسي والسيكولوجي المرن، المؤسس على الحرية والديمقراطية، المشبعةبسحر النظرة البراقة للعولمة المالية في الربح والنجاح تحقيقا للذات في مكافأة وهم إغراء صعودها اللانهائي في عالم الهيمنة المالية والاقتصادية. وما يزيد في التباس سحر هذه النظرة هو ما تراه العين من حقائق التقدم العلمي والتكنولوجي والعمراني والتطور الاقتصادي… الخادع للبسطاء والكفاءات الذين يرزحون تحت وطأة عبء الحلم الأميركي في اعتلاء قمة المال، و التخلص من الانسحاق الوجودي الذي تفرضه السياسات النيوليبرالية،كواقع للانحدار البشري الى المستوى النباتي في الاكتفاء بلقمة العيش، وتجرع مرارة البؤس المؤلم كفشل ذاتي، يزيد من عذابات ألم النفس في جلد الذات، ويحرر النظام السياسي من أية مسؤولية في مسهبقيمة الإنسان،  و في انتهاك حرمته وكرامته.

 

“الفشل في أميركا أمر يعاقب عليه المجتمع بشدة، تصبح منبوذا لأنك فقدت المناعة التي يكسبها النجاح الذي يقاس بالمال… يلقى بك في مزبلة المجتمع .. فتبيت في الشارع بجانب أكياس القمامة.. تصبح قمامة بشرية.”103و 104

 

الهوملس الوجه الخفي للحلم الأميركي

 

“عبرت ساحة الاتحاد والمتاجر الفخمة المحيطة بها وإذا بي وسط حي فقير يدعى تاندرلان يضم حشود الهوملس ويعتبر قبلة لكل من يبحث عن مخدر. كان المنظر مأساويا للغاية جعلني أحث الخطى بأسرع ما يمكن هاربا مما يعتبر جحيم سان فرانسيسكو”. 46

 

ما يميز قوة الظهور الأميركي كبلد جد متقدم على كل المستويات، هو قدرته على التعتيم والتحايل السياسي الاجتماعي والإعلامي على ما تنتجه الآلة الجهنمية الرهيبة للسياسات النيوليبرالية. “لم أكن أتصور هذا الكم الهائل من الهوملس في الولايات المتحدة الأميركية… هي ذي كاليفورنيا، سادس اقتصاد في العالم .. ولاية التناقضات.ألا تعلم أن لوس أنجلوس هي عاصمة المشردين في الولايات المتحدة الأميركية… الثراء لا يوازيه سوى عدد العصابات “الغانغ” وعدد الهوملس”. 101و 102

 

ففي الرواية نتعرف على هذا الوجه المعتم للواقع المؤلم والمرعب الذي يحجبه الحلم الأميركي كنظام سياسي اقتصادي نيوليبرالي لا يعرف الرحمة والأخلاق في سيرورته البنيوية المحكومة بصراع المصالح الاجتماعية والطبقية في تحقيق التقدم والازدهار الى حد السيطرة والهيمنة على الاقتصاد العالمي، والقرار الدولي في تحديد مصير الشعوب ومستقبل العالم البشري والايكولوجي.نتعرف على هذا الواقع اللاإنساني كوجه آخر مظلم وخفي وراء سطوة الظهور الساطع والساحر لما وصلت إليه الولايات المتحدة الأميركية من تقدم وازدهار علمي ومعرفي وتكنولوجي وعسكري…

 

” أي مجتمع هذا الذي يجعل المال أكبر قيمة لديه تنتفي خلفها قيمة الإنسان؟… خيام منصوبة على طول الأرصفة، أجسام لا تحصى كأنها جثث خلفتها حرب ضروس، قمامة تلوث الأرض والهواء وتلطخ بالسواد إنسانيتنا. أعقاب سجائر وحقن ومخدرات وقنينات كحول … مأساة سكيد رو تفوق كل ما رأيته من قبل في بلدان نسميها العالم الثالث” 104 و105

 

فمن خلال رحلة السارد الى الولايات المتحدة الأميركية قصد البحث عن صديق طفولته “الغالي”، وهو ابن جاره الذي رفض قبل عشرون سنة تزويجه ابنته حليمة، نتعرف على الكثير مما يخفيه الحلم الأميركي في الأحياء والمدن والشوارع ومخيمات الهوملس. وتأتي رحلته هذه استجابة لطلب من أب الغالي الذي طال غيابه وانقطعت أخباره عن أهله. وهذا ما شغل الأب وأرق تفكيره بالكثير من الهواجس والأسئلة القلقة والحزينة، وهو على فراش الموت. فقد صار يأمل في مساعدة ابنه الغالي الذي يعتقد، بحدس حب أبوي، أن ابنه يعاني من مشكلة ما، هي التي حالت بينه وبين استمرار تواصله مع أهله. لهذا كلف حميد صديق ابنه بالبحث عنه وتقديم يد المساعدة له، حتى يتمكن من تجاوز المحنة التي تورط فيها بشكل أو بآخر.

 

بلغة جميلة وأسلوب شائق في بناء الخطاب الروائي المضياف، تفتح الرواية ذراعيها للقارئ كجزء عضوي في سيرورة تشكلها الفني والجمالي. حيث نرافق حميد في رحلته الى أميركا بحذر وترقب محفوف بالكثير من الأسئلة، مع التطلع الى معرفة المزيد عن هذا الوجه البشع للتراكم الرأسمالي النيوليبرالي، الذي يقهر ويسحق أبناء وطنه باسم الحرية والديمقراطية والقيم الإنسانية الكونية، التي تسمح له بخوض أشد وأعنف وأشرس أشكال الصراع السياسي الاجتماعي والاقتصادي التي تولد مدنا وأحياء بئيسة مشحونة بالمفارقات والتناقضات التي تحط من قيمة الإنسان، بالإضافة الى عدد هائل من الهوملس، في وضعيات شديدة البؤس والألم والمعاناة على مختلف المستويات الجسدية والنفسية والروحية.  “لا أكاد أصدق أنني هنا على بعد كيلومترات معدودات من وادي السليكون عاصمة التكنولوجيا في العالم.. عن جامعة ستانفورد العريقة والمراكز الرئيسية لشركات ال “غافا” المكونة من غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون. و أتساءل كيف يعقل أن يكون البلد الذي ينتج أكبر عدد من العلماء والباحثين والحاصلين على جوائز نوبل والمستقطب لأذكياء العالم، هو نفسه الذي ينتج أكبر عدد من المشردين؟

 

كنت أعلم أن الولايات المتحدة الأميركية لها الصدارة في الرفع بالإنسان إلى أعلى، ولم أكن أشك في أن لها الصدارة في الرمي به إلى الأسفل كذلك.”51

 

فإذا كان ما ترتكبه الديمقراطيات الغربية في سبيل تقدمها وازدهارها في صورتها النيوليبرالية من همجية دموية، كوجه صريح للتراكم الرأسمالي والهيمنة الاقتصادية، في حق الشعوب الضعيفة استعمارا و نهبا وسيطرة وهيمنة على مقدارتها وثرواتها، وتحكما في زمام مصائرها الراهنة والمستقبلية. فإن الرواية تعري ما يخفيه هذا الظهور القوي والديمقراطي للحياة والحلم الأميركي القائم على أنقاض وخراب ودمار ودماء البلدان الضعيفة. فمن منطقة لأخرى داخل المدن الأميركية نتعرف مع السارد على وجهها الآخر المظلم و القبيح والمقزز والباعث على الغثيان، المتمثل في هذا العدد الهائل من المشردين الذين لم ترحمهم الحرب الداخلية التي تخاض بأسلحة القتل الصامت والبارد، الى أبعد الحدود، في الاجهاز على كرامةالكثير ممن فرض عليهم واقع البؤس والتشرد والضياع والموت البطيء.

 

“هل من داع للقول إنني بعد كل ما رأيته في سكيد رو قد فقدت الرغبة في زيارة مدينة النخيل لوس أنجلوس؟ يتراءى لي أن كل ما يمكن اكتشافه من وجهها الآخر، مهما حمل من إبهار ورفاهية لن يشفع لها عندي هذا العار الذي يتوسطها”. 122

 

وللتغطية على هذه البشاعة تلجأ في حربها الصامتة الى أسلحة المرونة المقنعة بالقانون والشرعية، حيث بواسطتها تنتج الإخضاع والإكراه السياسي والسيكولوجي القذر. وذلك من خلال الآليات التي تحدث عنها الكثير من المفكرين مثل ميشيل فوكو و الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول، وآخرين، كأدوات لتحقيق مزيد من الثراء للفئة الثرية المتحكمة في دواليب السياسة والاقتصاد، بالموازاة مع دفع أغلبية المجتمع نحو الانحدار الصريح أو المقنع. الشيء الذي يجعل الأفراد يكابدون محرقة التهديد المستمر لشروط العيش والبقاء، و الخوف في أية لحظة من التعرض لعملية سلخ القيمة الإنسانية، والالتحاق بالقمامة البشرية للهوملس.

 

“أنا مهندس كمبيوتر كانت لي شركة وبيت وزوجة، أفلست الشركة وتراكمت الديون، وبين ليلة وضحاها سلبت بيتي وطلبت زوجتي الطلاق.” 100

 

هذا ما تعرضه علينا الرواية من خلال عذابات ألم التحول من المستوى الإنساني العادي الى الانحدار الى أدنى المستوى الحيواني النباتي، في أبخس وأسوأ صوره، جوعا ومرضا ونبذا في العراء، وفي عزلة قاتلة خالية من السند والعطف والحب الإنساني. هذا ما عاشته كل شخصيات الرواية من جوردن وكارلوس وأوليفيا وجيري والغالي.

 

فلا ضمانات في هذا البلد ضد عيش محنة السقوط والانحدار الرهيب. لأن “نظام هذا البلد الذي يمنحك فرصا لا تعوض هو نفسه الذي لا يرحمك وأن لا أحد محصن ضد السقوط” 115

 

والى جانب هذا العنف الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي يمارسه النظام في حق مواطنيه بأدوات سياسية وإعلامية ومالية اقتصادية رهيبة، نجد أيضا الكثير من الظواهر المخيفة التي لا تقل فتكا بالإنسان. كتجربة الحرب الفتنامية التي عاشها جوردن، فعاد الى وطنه حاملا معه كما هائلا من التوترات والاضطرابات النفسية التي دمرت حياته وجعلته كالبيت المهجور الذي تسكنه أشباح الحرب التي دمرت حياته. وفككت روابطه الأسرية والاجتماعية، وقذفت به الى دائرة الهوملس.

 

والمحنة نفسها عاشها شارلي، حيث عانى كثيرا من عنف الاغتصاب من طرف زوج أمه الذي دمر عمقه النفسي، وخرب هويته الشخصية بانتهاك نرجسيته، وحصانته الذاتية. وهذا يعني تفكك العلاقات الاجتماعية في ظل سطوة القيم المالية، التي تولد مختلف أنواع العنف والاختلالات النفسية والجسدية والاجتماعية. بالإضافة الى العديد من الامراض والظواهر المجتمعية المتعفنة. هكذا تستباح حياة الهوملس بشكل عاري. فهو يعيش دوماعذابات ألم الخوف من عنف يترصده في أي لحظة، ويتهدد بالقتل. كما حدث لشاري الذي وجد مقتولا. “المشردون لا يموتون من الجوع أو العطش .. إنهم يموتون من العنف،  من عدم الإسعافات في حالة إصابتهم بمرض أو حادث .. ويموتون من الجنون.” 76

 

فكل شخصيات الرواية تألمت وعانت من ويلات التناقضات والمفارقات القاتلة التي ينتج النظام السياسي الأميركي.

 

حفرة استحالة الصعود

 

“الغالي” كشاب مغربي استطاع بجهده الدراسي و العلمي أن يعتلي منصة المال كواحد من الأثرياء الأميركيين الذين يحسب لهم حساب كبير بين الأصدقاء والخصوم في المنافسات المالية. لم تكن نقطة انحدار” الغالي” كامنة في طبيعة النظام الأميركي الذي بقدر ما يرفع الانسان، فهو يرمي به الى أسفل سافلين كحثالة بشرية، أو بالأحرى يدفع به إلى وضعية ما دون خط البشر.بل هي حفرة الموروث الثقافي الاجتماعي الممانع للتحديث والحداثة. فرغم التشنج والصراع الذي تميزت به علاقة الغالي مع أبيه لاعتبارات كثيرة، منها ما هو نفسي مترسب في أعماق الغالي، تبعا لفهمه وتأويله لمسؤولية الأب في وفاة الأم. وبسبب الرغبة في التخلص من وصاية وسطوة السلطة الأبوية طلبا للحرية وإثبات الذات كمشروع وجودي مستقل في الاختيار والفعل والإرادة. هكذا كانت علاقة الغالي بأبيه فيها الكثير من العصيان والتمرد، وهذا ما جعله يختار السفر بعيدا عن وصاية وتسلط الأب كما يعتقد ذلك في أعماقه. فحط الرحال بعد مشواره الدراسي الذي كانت انطلاقته من المغرب وصولا إلى أميركا، مرورا بفرنسا. هكذا فرض الغالي نفسه واستطاع تحقيق مكانته كما كان يتمثلها ويتصورها وفق مقاسات الحلم الأميركي في بناء الاستقلال الذاتي.

 

فنقطة انحداره متجذرة في ما تشربه منذ الطفولة في بيئته المجتمعية، وتنشئته الثقافية الاجتماعية التي شكلت هويته الذاتية الفردية، وتاريخه الشخصي. “كنت أبا مغربيا نموذجيا مستعدا لمحاربة كل من يتعدى على شرف أسرته: الرجل كيموت على ولادو أو على بلادو “130

 

فرغم رغبته العنيدة في التحرر والاستقلال من سلطة الأب والتعلق بعالم الحرية، واطلاق طاقات الحياة. وانتقاده الشديد للكثير من الظواهر المجتمعية والعلاقات الاجتماعية السائدة في المغرب. فإن هذا الوجه المتمرد والاستقلالي في الاختيار والقرار الذي تميز به الغالي في علاقته بأبيه ومجتمعه، سرعان ما سقط قناعه العلمي والحداثي عند أول اختبار في الحياة، حيث عاود إنتاج الثقافة الأبوية البطريركية بكل ترسانتها التقليدية في بروز نزعة التملك والتسلط والوصاية في علاقته مع ابنته. إذ سرعان ما انفجر عمقه الهووي (من الهوية) في الانتماء والاعتقاد، وفي الدلالات والعلاقات، كرؤية للذات والأخر والعالم. الشيء الذي عطل كل الأفكار والقناعات والمبادئ والمعارف العميقة التي اتخذها مطية في صراعه ما أبيه، وفي تبرير اختياراته. فقد تصرف كأب شرقي متخلف ومعقد وعنصري وعدواني كما نعتته ابنته. وقد كانت نتائج هذا التصرف كارثية، حيث كان السبب الصريح في وفاة ابنته التي حال بينها وبين حريتها واستقلالها الذاتي في التقرير والاختيار. ثم جاء الطلاق من زوجته ليعقد وضعيته المأزومة نفسيا. وهذا ما انعكس عليه سلبيا في مساره المهني. فانتكس نجاحه الباهر في سماء المال الى أن وجد نفسه واحدا من الهوملس الغارقين في عالم الإدمان والتشرد.

 

“أدركت بعد فوات الأوان أن ظلمي لابنتي أعظم من ظلم والدي لحليمة ولك.. أتعلم؟ كنت دائما في صراعه معه بيدأني أشبهه كثيرا.. تصرفت مع ابنتي تماما كما لو كنت هو.. أجل، نحن نتشابه.. لا أحد منا استطاع أن يلملم شتات روحه.”137

 

هذا هو الوضع المأساوي الذي انتهى إليه الشاب “الغالي” الطموح المتميز في مساره الدراسي والعلمي وهو يكرر أباه  بشكل مقرف وأكثر تخلفا . فكان للتقليد والقدامة الثقافية والاجتماعية، الموروثة أبا عن جد، الدور الحاسم في سقوطه الفادح. الشيء الذي يجعلنا نعتقد أن نقطة انحدار الغالي كامنة في حفرة هزيمة التحديث والحداثة، في الفشل و الموات الأبدي الذي كرسه استمرار الموروث الثقافي والاجتماعي، والنظام البطريركي التسلطي العائق للتكوين الذهني وبناء شخصية الفرد، و تحقيق الاقتدار الفكري والعلمي الحقيقي، القادر على معانقة عوالم الحرية والتحرر، والحسم في السعي الى تغيير الواقع الحي والعلاقات الاجتماعية السائدة، ورؤية العالم النمطية المانعة لولادة الفرد والذاتية والحرية.

 

هل يمكننا القول في الأخير تبعا لفرضياتنا التأويلية أن الرواية رغم فنيتها وجماليتها الأدبية، وعمقها التفكيكي والنقدي سقطت في فخ النظرة الثقافوية التي تجعل نقطة انحدار الأميركي مرتبطة بواقعه المادي، كنظام سياسي اجتماعي اقتصادي، في الوقت الذي كانت فيه نقطة انحدار الغالي مرتبطة بهويته القيمية والثقافية كانتماء وخصوصية لا تاريخية متخطية للزمان والأجيال ومفارقة للواقع الاجتماعي التاريخي. وبالتالي فالنظام الأميركي وحلمه الساحر بريء من النهاية المأساوية التي عاشها الغالي بحكم تاريخه الشخصي وهويته الفردية المثقلة بأعباء حفر الهوية والموروث الثقافي الاجتماعي؟

 

هكذا لا نملك حتى قيمة وجدارة السقوط وعيش تجربة الفشل كصيرورة تاريخية يمكن أن تغيرنا باستمرار، كباقي الشعوب التي اقتحمت جدل التاريخ عن جدارة واستحقاق. وإلا ما معنى سقوط الغالي في دلالاته الرمزية ونجاح حميد القنوع الحامد لما هو فيه من استقرار ومعاودة إنتاج للعلاقات الاجتماعية نفسها المميزة بالقيم الثقافية والاجتماعية المغربية في الحب والدعم والتضامن والتعاطف والاحساس بالآخر؟

 

جريدة ميدل إيست أونلاين

الخميس 10 مارس 2022

 

https://middle-east-online.com/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%87%D9%85-%D9%88-%D8%AD%D9%81%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%86%D8%A7?