هامش حول “نقطة الانحدار” لفاتحة مرشيد

 

د. خالد سليكي/ بوستن

 

من خصائص الإبداع السردي لفاتحة مرشيد كونها تعالح قضايا “إنسانية”، تنطلق من المحلي، كأفضية وشخصيات وتيمات، لكنها تنفخ فيها روحا تجعلها تتنفس في العالمية، بمعنى أنها تعني “الفرد” في أي مجتمع أو ثقافة. وأقصد هنا قضايا الموت والحب والعلم والإيمان، وضرورة الفن والجمال في حياتنا. ..

من هنا أرى أن من أهم مهام المنشغل بالدرس الأدبي، ليس أن يكون قد خبِر أسرار البلاغة وتمرس في قراءة الإبداع، وإنما بات عليه اليوم أن يكون ملما بتقنيات فهم الواقع، الذي لا يزداد إلا تعقيدا، مرة فهم الواقع من خلال الأدب، ومرة فهم الأدب من خلال الواقع.. بمعنى آخر على الناقد/الدارس أن يسلط الضوء على نقطة تقاطع الواقع بالأدب وتلاقحهما. طبعا، للواقع امتداد في النص، لكن للنص تقنياته وعوالمه التي تجعل من الواقع “الواقعي” واقعا آخر.. يتنفس في النص، ومن هنا يصبح الواقع النصي مؤثرا.

فـ “نقطة الانحدار” باعتبارها نصا روائيا له خصائص فنية، وجمالية، جعلني أفكر وأتأمل من خلاله، وبالأخص من خلال شخصية “الغالي” المهاجر، قضية قد لا يهتم بها بعض النقاد إلا مرور الكرام، وهي قضية الهجرة وتحولها إلى منفى بكل ما تحمله من عمق أنطلوجي غالبا ما تكون نهاياته تراجيدية.

تجربة الهجرة، هي تجربة مؤلمة – خصوصا حين يتعلق الأمر بالسياق الأمريكي-! فمظاهر الرفاه، واقتصاد الوفرة والحلم الأمريكي، والحرية، وحرية المبادرة، والتحرر، لا علاقة لها بالصورة الإشهارية التي يصادفها السائح الذي يتجول في شوارع كبرى المدن. والتي تبث عبر الشاشات الضخمة والواجهات الزجاجية. إذ خلف نوافذ أرقى الأحياء والعمارات، من مانهاتن إلي السيليكون فالي هناك مآس، هناك واقع وحكايات مؤلمة…

فإذا نظرنا إلى الواقع الأمريكي، من ناحية الفرص وجودة الحياة، فلا شك في أنه يمثل تربة خصبة وشبه مثالية، فيما يخص “الممكن” تحقيقه، لكن ليس بالسهولة التي تروجها الآلة الدعائية. بل في اللحظة التي تبدأ في تقييم منجزاتك حول ما حققته من “الحلم الأمريكي”، حينها بالضبط، تكون قد رسمت “نقطة انحدار” ك!

ثمة عبارة جميلة للويس أراغون يقول فيها: في اللحظة التي تفتح ذراعيك لتستقبل الحياة، تكون قد رسمت الصليب من ورائك”… هوذا واقع المنفى الأمريكي.. إنه حبل سيرك يمر عليه الفرد، وعبوره محفوف بكل أنواع الألم والدمار، وعليه أن يركز وأن يحافظ على توازنه المحفوف بكل أنواع المخاطر، فهبة ريح خفيفة قد تكون سببا كافيا كي تجد نفسك في القاع.. وهو ما يتولد عنه القلق. وإذا كان القلق هو إحدى مظاهر الحياة اليوم، فإنه يصبح مضاعفا مع المهاجر. وحين تصبح حياة الفرد كلها مسيجة بالقلق، آنئذ ليس أمامك سوى أن تتعلم كيف تتعايش معه، أي كيف تحياه كجزء من كينونتك.

هوذا المنفي في اللامكان. ليست لديه القدرة على التغلب على القلق، لأنه لم يعد له من مبرر للوجود سوى أن يجعل من حياته ”قلقا“ دائما لا حدود له.

فشخصية الغالي تجعلنا نصحبه، من خلال ما يسرده حميد، ليس إلى القاع، وإنما في رحلة مأساوية عبر “الانحدار”، وهنا تكمن الطبيعة المأساوية لحال المنفي.

كما نجحت الرواية في تقديم صورة عميقة عن “الهوملس”، أي المشرد. وليس هناك أفضل من “الغالي” لكي نقترب من ألم المهاجر/المنفي: صورة فقدانه للمكان. لأن المهاجر/المنفي يعيش في اللامكان، وهو ذات تتأرجح بين الهناك المفتقد والهنا الذي لا يتحقق بالشكل المطلوب.

إنها حياة تراوح البدايات دائما. وهذه المراوحة اللامنتهية تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر إرهاق روحي يواجهه المنفي بالألم. ففي المنفى يجد نفسك أمام خيارين، أن يَكتب أو يُكتب. يعني هذا أنه في حاجة دائمة إلى إعادة اختراع الذات وابتداعها من جديد. ولهذا صار الغالي “كمراسل حرب، يسرد ملاحظاته في زمن الجائحة، يبعثها على الواتساب” (نقطة الانحدار. ص. ١٧٩. ولهذا لن نفاجأ بأن توقفه عن الكتابة كان وجها آخر لتوقفه عن الحياة.

تغوص”نقطة الانحدار” في عمق الهامش الأمريكي الذي يضج بالتناقضات، وتكشف عن معاناة “الكائن البشري” ؛ إنها تراجيديا الإنسان التي تكاد تعيدنا إلى لحظة أوديب الشهيرة بعد اكتشافه السر، حين قال “كان من الأفضل على المرء ألا يولد”.

لكن الواقع الأمريكي يعلمك أن “الحياة جميلة”! فقط على المهاجر/المنفي أن يتعلم “كيف يعيش مع الأرض لا عليها”.

 

جريدة العلم الثقافي

الخميس 31 مارس 2022