أوراق من شجرة  الشاعرة والروائية فاتحة مرشيد

 

الطفلة التي نضجت في الغياب

قد يتساءل قراء الشاعرة والكاتبة فاتحة مرشيد وهم يقرأونها: هل هي حقا ما تكتبه أو ما لا تكتبه؟ ماذا يخفي هذا الإيغال في الجرح والحزن الشفيف الذي ينضح من كل كتاباتها؟

في هذه الأوراق من شجرة الكاتبة فاتحة مرشيد، ستسقط الأوراق تباعا ولو أننا لسنا بخريف.. سنتبادل الأدوار لننصت  نحن القراء لبعض من وجعها الخفي، حبوِها الأول، لطفولتها الصعبة، للخبايا التي تنزوي خلف الابتسامة العريضة التي لا تغيب عن محياها، للبراكين التي اعتملت داخل هذا الهدوء الذي يشي به الخارج.

لننصت إذن ونحن نقرأ فصول حكايتها الحقيقية، إلى الأصوات التي تنبعث من غرفها المظلمة والمضيئة، فربما يرسم كل منا صورة مغايرة  لما كوّنه عنها من قبل، أو يتعرف على جانب خفي  من شخصيتها.

 

إنجاز: حفيظة الفارسي

أي سواد تخفي يا قوس قزح؟

 

هل الشيطان وحده من يسكن التفاصيل، أم أن هناك من يقاسمه لعبة التخفي هاته؟

في الكتابة فقط يتسلل الواقع إلى الخيال أو يسترق الخيال السمع  للواقع حتى يصعب تحديد المسافة بينهما، ومعرفة متى تبتدئ السيرة وأين ينتهي الخيال، متى يُسدِل الكاتب لبوس الذاتية على شخصياته وكيف تتحرر هذه الشخصيات من قبضته، باحثة عن مصائر لا يتحكم فيه بوعيه الخفي، نائية عن كل عملية انصهار ومطابقة معه.

عندما يصوغ الكاتب حياة شخصياته ومصائرها ومساراتها، فإنه يكون لحظتها إزاء عملية تشييد للحياة من جديد، حياة قد يستند فيها الى تفاصيل حياته، إلى مواقف مر منها وأصبح على مسافة منها تسمح له بإعادة صياغته إبداعيا والتموقف منها من خلال الأحداث، مادامت الكتابة تسمح له بهذا النوع من المراوغة المقبولة والتعري المستتر.

هنا يطرح السؤال عن الإضافة التي يمكن أن يساهم  بها توظيف السيرة  الذاتية في الأعمال الأدبية، وإلى أي حد يمكن اعتبارها عنصر ثراء يجمع عالم الكاتب، وخاصة في مجال الرواية، بأرض الواقع  لينقل من خلال معاناة الآخرين معاناته هو ومكابداته ما دامت الكتابة في جانب منها تعاقدا خفيا بين طرفي هذه العملية، القارئ والكاتب، على الصدق الذي ليس بالضرورة نقل الواقع لكن  إيصاله بأسلوب يحاكيه أو كأنه الواقع. لكن كيف يتعامل القارئ مع ما يفترض أنه حقيقة الكاتب التي لاغبار عليها وأقصد هنا السيرة الذاتية التي يختار فيها الكاتب إسقاط كل الأوراق  والأقنعة، وكشف الغطاء عن قِدْر وقدَر  حياته، هل يقتنع بأنها الحقيقة هو الذي كان قد رسم من قبل، ولسنوات، صورة خاصة له من خلال كتاباته، وهل الكاتب أيضا يقول كل شيء أم يداري جزءا منها خلف الظل يعتبره من صميم خصوصياته التي قد تخدش صورته عند قارئه..

لا يمكن أن ننكر أن التجارب الشخصية، في الكتابة الابداعية، هي الدواة التي يحبر بها  الكاتب ما يكتبه، قد تختزن هذه التجارب لحظات مؤلمة وقاسية في حياته ، معاناة يجهد كي لا تظهر للعلن، أسرارا قد تفاجئ القارئ فتولد لديه ردود فعل متباينة بين القبول والتعاطف وحتى الرفض.

في هذه الحلقات التي اخترنا أن نفتح فيها العلبة السوداء لشاعرة  وروائية مغربية  بصمت على مسار إبداعي متميز لما يقارب العقدين، سنقترب أكثر من شاعرة تؤمن بأن “آخر الطريق أوله”، ومن أجله اختارت الـ”ورق عاشقا”  وهي تهمس له “تعال نمطر” قبل أن يداهمها قلق الفصول فترفع رأسها للسماء متسائلة : “أي سواد تخفي ياقوس قزح؟” مستدرجة إياه الى بوح ثنائي حول “ما لم يقل بيننا”.

هي الطبيبة والشاعرة والروائية والقاصة فاتحة مرشيد، القادمة من يقينيات العلم ومشارط الجراحة، حيث وقفت على جوهر المعاناة وهشاشة الإنسان، حملت كل هاته التجارب  وعوض أن تنصت بسماعاتها فقط لآلام هذا الكائن، حملت قلمها لتشخص علل مجتمع لا ينتبه إلى شروخ روحه قبل جسده ، فاختارت بين كل عمل وآخر أن تنصت إلى مواجع هذه الروح من أجل أن تسمو بها الى أعلى درجات الإنسانية.

في هذه السلسلة، سنقترب من فاتحة الإنسانة، من الطفلة التي عاشت طفولة كلها فطامات، من الطالبة والمناضلة، من الحبيبة والزوجة والأم، الى الشاعرة والكاتبة. سنقطع معها مسارا حافلا بالألم والخيبات ، بالنجاحات، بالصراعات بين أولويات الحياة، بالمواقف من أشياء العالم.

تجربة لم تتوسل بالبوح المباشر،كما في السير الذاتية ، لأنها لا تؤمن بها مادامت ثاوية  في كل ما تكتبه ، لهذا اخترنا أن تكون سيرة غيرية ، يتماوج فيها الحكي بين ضميري المتكلم والغائب، يتداخل فيها  البوح بالتأويل، ما يحرر المتكلم نوعا ما ويترك للراوي فرصة تسويد البياضات.

 

فاتحة مرشيد التي تعرفونها

من مواليد 14 مارس 1958 بمدينة ابن سليمان. حائزة على الدكتوراه في الطب سنة 1985، حائزة على دبلوم التخصص في طب الأطفال سنة 1990، بدأت مسارها المهني طبيبة..أشرفت على إعداد وتقديم برنامج يهتم بالتربية الصحية في القناة الثانية المغربية لعدة سنوات، بالإضافة إلى فقرة “لحظة شعر” في البرنامج الثقافي “ديوان” بالقناة الثانية.

كاتبة تتنقل بخفة فراشة من الشعر الى الرواية والقصة ،مؤمنة بأن الحدود بين أجناس الكتابة حدود وهمية، رغم أن الشعر يبقى بيتها الأول الذي تؤوب إليه كلما أحست برغبة في لم شتات الروح، هي التي تعتبر أن كل حالة تحياها هي ذريعة للكتابة.

 

من إصداراتها في الشعر

“إيماءات”، “ورق عاشق”، “تعال نُمطر”، “أي سواد تخفي يا قوس قزح”،.”آخر الطريق أوّله”، “ما لم يُقل بيننا” ” Unspoken ” الذي ترجمه الشاعر والمترجم  نور الدين الزويتني الى الانجليزية،”انزع عني الخطى” ، و”شرارة من الهناك” شعر باللغة الفرنسية :  Etincelle d’ailleurs

 

في الرواية أصدرت:

“لحظات لا غير”، “مخالب المتعة”،”الملهمات”،”الحق في الرحيل”،”التوأم”و”انعتاق الرغبة”أخر عمل  لها صدر في 2019.

في القصة كتبت

“لأن الحب لا يكفي”« As love is not enough »:(مجموعة قصصية) باللغتين العربية والانجليزية، الترجمة الانجليزية ، لنور الدين زويتني.

 

حقائب فنية:

“ورق عاشق”: (حقيبة فنية) شعر فاتحة مرشيد ولوحاتالفنان أحمد جاريد ، محترف الحفر الحكيم بناني، الرباط 2003.

“حروف وألوان”: (حقيبة فنية) عمل مشترك، منشورات مرسم، الرباط، 2006.

 

كتب مشتركة:

  • “مشكال، نساء بين الثقافات” “Kaleidoscope” : عمل مشترك مغربي أمريكي، منشورات مرسم، الرباط
  • « MarrakechNoir »(أنطولوجية قصصية)باللغة الإنجليزية، منشورات أكشيك بوكس،نيويورك 2018.

 

طب الأطفال:

  • “الإسعافات الأولية للطفل”: (طب الأطفال)، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2005.

 

شاركت في عدة فعاليات ثقافية محلية وعالمية وترجمت نصوصها إلى عدة لغات منها: الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الإيطالية، التركية، والصينية، والأردية.. كما حازت على جائزة المغرب للشعر سنة 2010 عن ديوانها “مالم يقل بيننا”.

 

غدا، فاتحة مرشيد التي لا تعرفونها.

 

الحلقة 1: “الطفلة التي نضجت في الغياب”، الاتحاد الاشتراكي، الاثنين 1 يوليوز 2019، العدد 12275.