الورقة  11

 

حالات مرضى وشمت الذاكرة

 

– المريض الذي رفض أن تفحصه امرأة

لاتزال فاتحة مرشيد تتذكر ملامح أول مريض وُضع تحت مسؤوليتها. كانت لحظتها طالبة متمرنة بمستشفى ابن رشد، وبالضبط  بقسم المسالك البولية تحت إشراف االبروفيسور مهدي مزيان . ظلت هذه اللحظة محفورة في ذاكرتها بعد مرور ما يناهز 38 سنة.

كان هذا المريض رجلا يعاني من سرطان المثانة. ولأن الحالة كانت تستدعي الفحص المباشر، فقد رفض  بشدة أن تلمسه طبيبة امرأة، مضيفا بنرفزة شديدة  أن ما شجعه على القدوم إلى هذا المستشفى هو اسم البروفيسور مزيان وسمعته. صدمت الطبيبة من هذا الموقف خاصة وأنه أول مريض يوضع تحت مراقبتها ومسؤوليتها، ورأت في رفضه هذا إهانة كبيرة لها، هي التي لم تشعر يوما بأن عليها أن تحد من طموحاتها لمجرد أنها امرأة، وعدم اعتراف بكفاءتها وبسنوات عديدة قضتها في التحصيل من أجل أن تحقق نبل المهنة على أرض الواقع.

كان الرجل في الستينات من عمره، من عائلة ميسورة ومتزوجا من امرأة جميلة تصغره سنا بكثير. تتذكر فاتحة أنه حينما رفض أن تفحصه، توجه إليها بعصبية قائلا” أنت في سن زوجتي، وعندما كنت أنا عارض أزياء بباريس لم تكوني أنت قد ولدت بعد”.

لم يقتنع الرجل بكل مبررات الفحص وبأن عليها أن تعد ملفا طبيا لحالته قبل أن يعاينه البروفيسور، فما كان منها إلا أن هرعت تخنقها الإهانة وأخبرت أستاذها.

تتذكر فاتحة الرد الرائع الذي قابل به البروفيسور مزيان هذا الرفض، والذي لم تنسه إلى اليوم ، فقد خاطب المريض قائلا بأن المرأة التي أمامه ليست امرأة أو رجلا بمجرد ما ارتدت الوزرة البيضاء، هي داخل المستشفى طبيبة فقط، وأنها المسؤولة عنه وإن لم تجهز له الملف فلن تجرى له العملية، رافضا أية أعذارات أخرى وانصرف، ما جعل المريض يرضخ للأمر الواقع وتستعيد كرامتها وثقتها في نفسها.

كانت تلك الحادثة بداية علاقة إنسانية جميلة بين هذا المريض الذي تتذكر أنه كان يتكلم الفرنسية بشكل جميل،وبين الطبيبة. علاقة وطدتها الثقة التي جعلته يحكي لها عن حياته وماضيه. وطمأنت الطبيبة المبتدئة، التي اختارت هذه المهنة وعيا منها بأنها المهنة التي تتحقق فيها المساواة.

تقول فاتحة إن الكل كان ينضبط خصوصا في المداومات الليلية التي كانت تتم بالمستشفيات وبأقسام المستعجلات بالهوامش في ظروف ينعدم فيها الأمن أحيانا، ولم يكن جنسها مبررا لإعفائها من هذه المهام في يوم من الأيام.

وتضيف فاتحة إنها عندما دخلت مجال الإبداع، استغربت وهي تسمع بتصنيف الأدب إلى نسائي، هي القادمة من ميدان لا يوجد فيه تصنيف إلى طب نسائي وطب رجالي، فالأطباء نساء ورجالا يمارسون نفس المهام والتكليفات بغض النظر عن جنسهم أو وضعهم الاجتماعي.

 

– المولود الذي هزم الموت

 

ثاني حالة لا تزال راسخة في ذاكرة الطبيبة، كانت لمولود جاء الحياة قبل الأوان.

لم يكن فضاء هذه العلاقة العيادة أو المستشفى، بل عن طريق صديقة للعائلة كانت تدعى “مباركة” وكانت قد اشتغلت بإحدى المصحات الخاصة بقسم الحضانة، قبل إحالتها على التقاعد .

تقول فاتحة عن هذه السيدة “اتصلت بي يوما لتخبرني بضرورة المجيء إليها بمنزلها لمعاينة أحد الأطفال حديثي الولادة”.

كان وقع المفاجأة على الطبيبة شديدا وهي ترى شيئا يشبه الجنين ملفوفا في قطن. “كان يشبه دمية بل كان يرتدي ملابس الدمى !”.

سرعان ما بددت  “مباركة” دهشة الطبيبة قائلة إنه خديج ولد قبل أوانه بكثير. فقد كانت الأم في زيارة إحدى قريباتها وهي جارة لمباركة،  ليفاجئها المخاض وهي في شهرها السادس. بعد أن وضعته بمساعدة مولدة استقدمتها الجارة، أخبرتها هذه الأخيرة أن بقاءه على قيد الحياة مسألة ساعات معدودة ووضعته فوق “هيدورة”  تحت سرير بالغرفة، فكان أن دخلت السيدة مباركة صدفة عند جارتها لتسمع صوتا خافتا قادما من تحت السرير وليأتيها الجواب بأنه لطفل ولد للتو، ولا أمل له في الحياة، وأن الأم لا تريد الاحتفاظ به والتعلق بأمل كاذب.

طلبت مباركة وهي تحمل بين يديها مولودا أزرق اللون يئن بصوت خافت، من الأم أن تمنحها إياه قائلة: “إنه حي يرزق، دعيني أحاول إنقاذه ما استطعت ، إن كتب له العيش فهو إبنك وعمرنا وعمره عند الله.” واتصلت مباشرة بفاتحة.

أخذته مباركة إلى بيتها ولفته في القطن، وضعته في سلة  قرب مولد للكهرباء بإحدى غرف بيتها. ولصغر حجمه كانت تخبئه في صدرها ليلا ليستعيد بعض الدفء، فلم يكن يتعدى لحظتها وزنه 600 غرام.

تقول فاتحة: “فيما كانت مباركة توفر له عناية خاصة وتراقبه عن كثب، كنت أعطيه الأدوية بجرعات صغيرة عبر الفم لأن إمكانية حقنه كانت مستحيلة لصغر حجمه. أذكر أنه عانى من صعوبة حادة في التنفس مرتين هددت حياته ومن حسن الحظ أنني كنت لحظتها بجانبه وقدمت له إسعافات أولية. أذكر أنني قد اتصلت بطبيب صديق بالخارج متخصص في حالات الخدج، واستشرته حول حالته فأكد لي أن أيامه معدودة وأنه حتى في أحسن الأقسام المتخصصة في حالات الخدج، لا ينتظر الكثير ممن لهم نفس الوزن .عشنا نحن الاثنتين في قلق دائم متشبتتين ببصيص أمل.

أقنعنا والدته بأن تمدنا بحليبها الطبيعي الذي كانت تبعثه في قنينة صغيرة بانتظام مصرة على عدم رؤيته حتى لا تتعلق به ما دام لا أمل لها في عيشه.

كنا نخضعه لمراقبة وعناية شديدة، خاصة تلك المرأة العظيمة “مباركة” التي خصصت له كل وقتها. بعد ثلاثة أشهر سلمناه لوالدته التي لم تتصور أنه سيبقى على قيد الحياة وأطلقت عليه اسم عبد الحفيظ “.

 

مرة وهي في العيادة، زارتها سيدة بصحبة ابنها قائلة وهي تقدم لها الطفل: هذا عبد الحفيظ ابنك الذي أنقذت حياته، جاء ليتعرف عليك ويشكرك. كانت مفاجأة رائعة وكان طفلا جميلا وذكيا، تقول فاتحة، كان حينها في السابعة من عمره.

هذه الحادثة جعلت فاتحة تؤمن بأن الحياة هبة وأصبحت كلما رأت حالة حرجة بقسم الإنعاش، تتذكر عبد الحفيظ وتمنح أملا لعائلة المريض.

 

– أقسام المستعجلات: حوادث لن تنسى.

 

من الحوادث  المؤلمة التي علقت بذاكرة مرشيد ليلة كانت تداوم بمستعجلات مستشفى سيدي عثمان، فقدم رجل في حالة هستيرية يحمل والدته المسنة التي  تعرضت لاغتصاب في غرفتها فوق السطح.

تقول فاتحة إنه لاتزال صورة الإبن المنهار ماثلة أمام عينيها إلى الآن، وأمه المسنة بين يديه غير قادرة على النطق.

حادثة أخرى عاينتها فاتحة بمستعجلات مستشفى الأطفال ابن رشد، حين قدمت سيدة رفقة ابنها الرضيع الذي يبلغ سنة ونصف والذي تعرض للاغتصاب أيضا من طرف صديق الأم. كانت حالة الرضيع سيئة للغاية تطلبت إحالته على قسم جراحة الأطفال.

تقول فاتحة إن مداوماتها الليلية بأقسام المستعجلات وخاصة في الأحياء الهامشية، جعلتها تقف على الوجه القبيح للإنسان وكل حالات العنف التي لم تكن تتصور قبلا أنها موجودة، كما وقفت على الوجه المضيئ فيه وكل المساعدات التي يقدمها البعض بشهامة وتلقائية.

 

الحلقة 12: “حالات مرضى وشمت الذاكرة”، الاتحاد الاشتراكي، السبت/الأحد 13/14 يوليوز 2019، العدد 12286.