لا سلطة لي على نصوصي، والقارئ
من يمنحها حيوات متعددة

 

قد يتساءل قراء الشاعرة والكاتبة فاتحة مرشيد وهم يقرأونها: هل هي حقا ما تكتبه أو ما لا تكتبه؟ ماذا يخفي هذا الإيغال في الجرح والحزن الشفيف الذي ينضح من كل كتاباتها؟
في هذه الأوراق من شجرة الكاتبة فاتحة مرشيد، ستسقط الأوراق تباعا ولو أننا لسنا بخريف.. سنتبادل الأدوار لننصت نحن القراء لبعض من وجعها الخفي، حبوِها الأول، لطفولتها الصعبة، للخبايا التي تنزوي خلف الابتسامة العريضة التي لا تغيب عن محياها، للبراكين التي اعتملت داخل هذا الهدوء الذي يشي به الخارج.
لننصت إذن ونحن نقرأ فصول حكايتها الحقيقية، إلى الأصوات التي تنبعث من غرفها المظلمة والمضيئة، فربما يرسم كل منا صورة مغايرة لما كوّنه عنها من قبل، أو يتعرف على جانب خفي من شخصيتها.

 

العلاقة بين الكتاب وقرائهم، تتم على مستويات متعددة أهمها القراءة والتفسير والتأويل، حسب مرجعيات القارئ وتمثلاته، لكنها علاقة قد تمتد إلى الحياة الواقعية لهؤلاء الكتاب حينما تنتقل من عوالم المتخيل والسردي على الورق الى اللقاء المباشر أحيانا عند تقديم الأعمال الجديدة.
هل هذه العلاقة لا تتعدى حدود النص المكتوب فيرسم خلالها القارئ ملامح شخصية معينة لكاتبه، انطلاقا من إنتاجه الفكري أم أنها تتجاوز ذلك الى الاقتراب من شخص الكاتب وتجسير هذه الحدود ماديا؟
اللقاءات المباشرة مع الكتاب والأدباء قد تكسر أحيانا هذه الصورة المكونة عنهم سلفا، كما قد تولد عداء بعد سنوات من الإعجاب بنصوصهم ما يحدو ببعض القراء إلى الاكتفاء بقراءة النص كترجمة حية لفكرة موت الكاتب كما نظر لها رولان بارت، وامتلاك هذا القارئ لناصية النص على مستوى التحليل والتأويل، بعيدا عن البحث في خصوصيات المؤلف والاقتراب من عوالمه الواقعية.

الماركوتينغ الأدبي والترويج للكتب مهمة الناشر

تتساءل فاتحة مرشيد عن جدوى اللقاءات المباشرة بالكتاب؟ لأنها ترى أن القارئ خلال عملية القراءة يكون له ترف اللقاء بالجانب الحقيقي والمضيء في الكاتب.. إبداعه.
لهذا تقول إنها مقلة جدا في لقاءاتها مع القراء وأنها كثيرا ما تعتذر بلباقة عن الدعوات، وتسوق لهذا العزوف عن لقاء القراء أسبابا متعددة أولها قناعتها الراسخة بأن مهمتها ككاتبة تقتصر على كتابة النص، وتنتهي مع صدوره، متسائلة عما يمكن للكاتب أن يُضيف للقارئ بعد أن أفرغ روحه على الورق؟
«فكرت كثيرا في الموضوع وأنا أكتب رواية الملهمات، متطرقة إلى فكرة الفصل بين الكاتب كإنسان وبين ذاته المبدعة. وأن الحلم الذي نجده في الكتب قد لا نجد له صدى في الحياة اليومية للكاتب.. إلا في بعض الأحيان حين تصبح حياة الكاتب هي أحسن ما أبدع.. وهذا موضوع آخر.
رواية الملهمات سعت إلى نزع هذه الهالة التي يضعها القراء على رأس الكاتب، والتي تولّدُ لديهم الرغبة في اللقاء به والتواصل معه مباشرة..»
تنتهي مهمة الكاتب كما تقول فاتحة بخروج النص لتأتي بعدها عملية القراءة والتأويل وهي مهمة تترك للقارئ أكان ناقدا محترفا أم لا (علما بأن كل قارئ هو مبدع ثان بطريقته) لأن تعدد مستويات القراءة والتأويلات يجعل النص يحيا حيوات متعددة عابرة أو ممتدة في الزمن.
أما الماركوتينغ الأدبي، والترويج للكتب، ومحاولة إقناع القارئ باقتناء الكتاب، فهذا من المفروض أن يكون من اختصاص الناشر فحسب.
الكتابَ كما تقول فاتحة « حَمّال أوجه، ومصيره أن يتناسل على يد القراء ليتعدد بتعددهم وتعدد مستويات القراءة، فلماذا إذن أضع نفسي في موقف يُجبرني على شرح وتبرير أشياء كتبتها بدمي؟ لقارئ، أؤمن أن له كامل الحق في اقتناء الكتاب أو لا، الحق في استحسانه أو لا؟
فكما أمنح نفسي حرية الكتابة بدون رقابة، أحترم حرية القارئ في قراءة كتاباتي بدون رقابة.. بمعنى أن القراء أحرار في مناقشة كتبي في ما بينهم وإبداء آرائهم.. وليس من الضروري أن يتم التواصل المباشر بيني وبينهم ما دام كل منا قد أدى مهمته بحرية».

الكتابة أحيانا أصدق من كاتبها

هل حقا لا تكتمل متعة القراءة دون التعرف على الكاتب شخصيا ،أم أن النفاذ إلى روح هذا الكاتب أو ذاك يتم عبر فعل القراءة ذاته دون الحاجة إلى وسائط؟
قد تكون الكتابة أحيانا أصدق من كاتبها، ولقاؤنا بالمقروء أجدى من اللقاء بمؤلفه، لذا تؤكد مرشيد في هذا السياق أنها التقت روح فلوبير مرارا من خلال «مدام بوفاري»، وروح طه حسين في حارته.. وعيون إلزا من خلال النظرات العاشقة لقصائد أرغون، مضيفة أن «المبدع يكتب بوعيه وبلا وعيه، متكئاً على شروخه واضطراباته وأزماته الوجودية، ولهذا تعتبر الكتابة بمثابة التحليل النفسي وهي بهذا المفهوم أصدق من كاتبها. وقد استفاد علماء النفس كثيرا من شخوص الروايات.
ثم، بما أنني قارئة أيضا.. بل قارئة قبل أن أكون كاتبة ، فأنا أدرك أن لقاءنا مع الكتب كلقائنا مع الحب. لا يتحقق إلا في أوانه.
قبل الأوان نكون غير مؤهلين لالتقاط اللحظة.. بدليل أننا قد نجد أحيانا صعوبة في الخوض في كتاب ما، ولكن عندما نعود إليه (لاحقا)، ربما سنوات من بعد، نجد أن هذه الصعوبة قد تلاشت.
أهو الكتاب من كان صعب المنال؟ أم أننا نحن لم نكن قد امتلكنا بعد النضج الضروري للخوض فيه؟ أضف إلى هذا، كون كل عمل إبداعي هو بالضرورة غير مكتمل، وإلا لما وجدنا محفزا للمرور إلى عمل جديد..
فهناك أفكار نتطرق إليها في كتاب أول، لنعود إليها لاحقا في آخر، وقد نضجت أكثر بداخلنا.
إذ يبدو (حسب بعض النقاد) أننا نكتب نفس القصيدة ونفس الكتاب بصيغ متعددة / والقارئ يمكنه أن يجد أجوبة عن أسئلته في كتب أخرى لنفس الكاتب».
لا تنفي فاتحة مرشيد أهمية التواصل، لكنها أهمية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجعل بعض الكتاب يخضعون لدكتاتوريته، بحيث يفوق الزمن المخصص للتواصل، الزمن المخصص للكتابة.
لأن فرط التواصل، تقول، يقتل التواصل.. والأخطر من هذا أنه يقضم طاقات المبدع، بالحد من حريته ومن وقت العزلة الضرورية لكل إبداع.
«التواصل نفسه مسألة «مقادير» مثل الدواء، مقدار منه يُشفي ومقدار آخر يقتل.علينا ككتاب أن نتحاشى الإدمان (الذي عبرت عنه في قصة تحمل عنوان «إدمان» في مجموعتي القصصية لأن الحب لا يكفي).وأن لا ننسى «أن الأشياء الأساسية مهددة دائما من طرف الأشياء الأقل أهمية» كما يقول روني شار.
ترى فاتحة أن الأساسي بالنسبة لنا للمبدع أيا كان مجال إبداعه، هو الإبداع في حد ذاته ولا شيء غيره، لأن للكتب حياتها الخاصة المستقلة عنا وهي تقدم نفسها بنفسها، ولا تحتاج لتوجيه من الكاتب نفسه أو تأثير منه على قرائه، غير ما تمارسه سلطتها وعوالمها عليهم.

 

الحلقة 25: “لا سلطة لي على نصوصي، والقارئ من يمنحها حيوات متعددة”، الاتحاد الاشتراكي، الاثنين 29 يوليوز 2019، العدد 12299.