الورقة  8

 

الزواج لم يكن جزءا من مشاريعي

 

لم يكن الزواج جزءا من مشاريع فاتحة مرشيد في الحياة، كان ضمن اللاّ مفكر فيه بحكم الطفولة القاسية التي افتقدت خلالها معنى الأسرة ودفء العلاقة بين مكونيها، هذه الطفولة التي كثيرا ما كانت تتدخل لكبح بعض أحلامها في الحياة.

لم يكن إذن للشابة التي كانت تتوق فقط لحمل لقب دكتورة يغنيها عن كل لقب آخر مرتبط بالرجل، مثال ناجح للأسرة هي التي كونت نظرة سلبية عن الأم جعلتها تُسقط هذه الورقة، أي الأمومة والزواج من حساباتها ، مقتنعة بأنها لن تنجح في تكوين أسرة، عدا كونها تشبعت بثقافة التحرر والاستقلالية التي سادت وسط النساء المغربيات في فترة السبعينات، ومنها التبعية وسلطة مؤسسة الزواج.

كيف إذن ستغير الطالبة المتحررة والتواقة إلى بناء شخصيتها المستقلة نظرتها لكل هذا؟ هل لأن الحب وحده كان يكفي، أم أن نضج الطرف الآخر ومشاعره الصادقة كانا كافيين لاحتواء مخاوف هذه المرأة ومنحها الأمان الذي ظلت طيلة طفولتها ومراهقتها تبحث عنه؟

كان لـ”جمال” علاقة قرابة مع أسرة مرشيد، ما جعلها تلتقي به في مناسبات عائلية عديدة كلما تواجد بالمغرب هو الذي كان وقتها يدرس بمونبولييه بفرنسا.  ولأن فاتحة كانت تحترم في الناس ذكاءهم، فقد كانت معجبة بذكاء جمال وتفوقه في الدراسة حتى على زملائه الفرنسيين أبناء البلد، بل بأفكاره الحداثية هو الذي كان متشبعا بالأفكار التقدمية. كانت ترى فيه الرجل التقدمي بدون شعارات.

لم يكن الذكاء وحده ما جذب فاتحة إلى هذا الشاب الوسيم، فقد كانت رزانته وهدوؤه وسط شباب العائلة الذي يعيش فورة مراهقته بكل ما فيها من حماس وطيش، حديث العائلة الكبيرة ومحط إعجابها.

كانت هذه اللقاءات تمر دون أن تبذر من الشاب الهادئ أية إشارات أو تلميحات إعجاب بطبيبة المستقبل، إلى أن التقيا بمراكش صدفة في إحدى حفلات زفاف قريبة لهما. لحظتها أخبرها بأنه يريد استشارتها في أمر مرتبط بموضوع بحثه ويحتاج إلى بعض التوضيحات العلمية حوله، محددا لقاء لمناقشة الموضوع.

لم يكن اللقاء إلا تعلة من الشاب القادم من فرنسا للبوح بمشاعره نحوها والدخول في علاقة عاطفية، أعقبتها بعد شهور قلائل مفاتحته لها في موضوع  الزواج.

كانت آنذاك في سنتها الرابعة بكلية الطب وهي السنة التي عرفت إضرابات أدّت إلى سنة بيضاء.

تفاجأت فاتحة بعرض كهذا لم تمهد له الروح طريقا، معتذرة بلباقة ومقدمة أعذارا كثيرة أولها أنها لا تحبذ وضع مصير لعلاقتهما لأن وضعه كقريب من العائلة يقتضي منها التعامل بجدية مع الموضوع، جدية لن تترك لها فرصة للتراجع، خاصة وأن الزواج بالنسبة إليها لا يغدو أكثر من  مشروع طلاق مؤجل.

كان جمال متفهما لكل ما سردته فاتحة، ولأنه كان يعي حجم ما عانته وتعانيه في تلك اللحظة، فقد استثمر رزانته وهدوءه ليقنعها بأن هناك نماذج أخرى لأسر متماسكة عكس التي شبت عليها، وبأن نموذجها ليس إلا استثناء، وأن الأسباب الذاتية هي ما جعلها تكون فكرة عن أن مصير كل زواج الفشل.

تذكر فاتحة الجملة التي جعلتها تغير رأيها حيث قال: “لم يسبق أن حدث طلاق بعائلتنا.. نحن عندما نتزوج فلمدى الحياة.”

نزلت كلمات الشاب الذي  كان يعيش وسط أسرة مثالية يحضر فيها الوالدان بقوة، كقطعة ثلج في صحراء متعطشة إلى الأمان، وهي ترى في عينيه صدق ما يقول. كان يتحدث فيما هي تغوص في نفسه، لتستنتج لحظتها بحدس صوفي أنه سيكون أبا وزوجا مثاليا.

تقول فاتحة وفي عينيها تشع ابتسامة خجولة تخفي نوستالجيا العشق والهوى: “رأيت فيه  لحظتها صورة الأب المثالي خصوصا وأنا أسترجع كيف كان في المناسبات العائلية التي جمعتنا من قبل، يصر على الاهتمام بمائدة أطفال العائلة قبل الكبار، فتيقنت أنه سيكون أبا محبا لأطفاله ولن يعرضهم يوما ما لجرح أو فطام عاطفي قسري..”

وأضافت مازحة: “كانت السنة البيضاء بكلية الطب وردية بالنسبة لي “.

بعد أن تم عقد قرانهما، سيسافر جمال لاستكمال دراسته وإنجاز رسالة الدكتوراه في الاقتصاد، لتبقى الرسائل المضمخة بالشعر، مرسول الحب بينهما في وقت لم يكن الاتصال متيسرا عدا بعض المكالمات الهاتفية التي كانت تتم بشكل متباعد، حيث كان عليها أن تأخذ موعدا لإجراء مكالمة كانت مكلفة آنذاك إلى أن عاد واستقرا بعمارة عائلته قرابة 20 سنة ثم في بيت مستقل لا يزال يحضنهما منذ 17 سنة.

 

الحلقة 9: “الزواج لم يكن جزءا من مشاريعي”، الاتحاد الاشتراكي، الأربعاء 10 يوليوز 2019، العدد 12283.